جهلا قبيحا ، وأراد في تلك الحالة أن يتوب من ظلم ظلمه على غيره . أليس يلزم أن يندم على اعتقاده الذي اعتقده في النبوّة ؟ .
قلنا : هذا الذي فرض لا يتفق عندنا في العارف المستكمل للمعرفة بجميع أبواب التوحيد والعدل ، لأنّه يكون مؤمنا وبرجوعه عن اعتقاد النبوّة يكفر ، والمؤمن عندنا لا يكفر بعد إيمانه ، لما بيناه من بطلان الارتداد . فإن فرض ما ذكر في السؤال في غير المؤمن المستكمل لجميع معارف التوحيد والعدل لوجوبها كان الجواب ما ذكرناه عنهم من قبل ، لا يحتاج إلى جواب آخر .
القول في حقيقة العفو وحسنه وسقوط العقاب به .
أمّا حقيقته ، فهي إسقاط صاحب الحقّ أو من ينوب عنه ما يستحقّه على الغير الذي يستضر باستيفائه منه . وذلك بأن يهبه له ، أو يقول : أسقطت عنك حقّي عليك ، أو ما يقوم مقام هذا القول . فأمّا ترك استيفاء الحقّ فإنّه لا يكون عفوا أو إسقاطا له ، وإن كان الوقت وقت الاستيفاء .
وإنّما قلنا : « أو من ينوب عنه » ، لأنّ المولى إذا رأى غبطة المولّى عليه في أن يصالح غريمه ويسقط بعض حقّه عليه ، وفعل ذلك ، يسمّى فعله ذلك عفوا .
وعلى هذا قال تعالى :
« إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ »
« 1 » .
وأمّا حسنه فظاهر ، لأنّه من جملة النعم [ و ] من أعظمها ، إذ دفع الضرر عن الغير أدخل في باب النعم من إيصال النفع إليه . فعلى هذا القول التفضّل بالعفو عن عقاب المذنب حسن في العقل ، ومتى أسقط اللّه العقاب سقط .
ووافقنا في حسنه من جهة العقل أبو عليّ وأبو هاشم وأصحابها من معتزلة البصرة ، ولكنّهم يقولون انّ السمع منع من وقوعه . وسنبيّن بطلان ما يدّعونه من
هامش
( 1 ) البقرة : 237 .