وذلك لأنّه لا يمكن أن يعلم أنّ أحد الشّيئين لا ينوب مناب الآخر فيما يرجع إلى ذاتيهما مع انتفاء العلم بما يرجع إلى ذاتيهما .
إذا ثبت وتقرّر أنّ العلم بالمخالفة إنّما يحصل مع العلم بما يؤثّر فيها لم يمكن الاستدلال بالمخالفة على إثبات ما يؤثّر فيها ، إذ من حقّ الدليل وممّا يكون طريقا « 1 » إلى أمر أن يكون العلم به سابقا على العلم بذلك الأمر .
ثمّ يقال : والمخالفة ليست حكما زائدا على الذات ، إذ معناها كون أحد الشيئين غير مساو للشيء الآخر في حقيقتهما ، وهذا آئل إلى النفي . بخلاف صحّة الفعل وصحّة الإحكام ، واحتمال الجواهر للعرض ، وصحّة تنقله إلى الجهات ، إلى غير ذلك ، لأنّ جميع ذلك آثار صادرة عن الذوات زائدة عليها ، فيمكن أن نطلب لها علّة . والمخالفة بخلاف ذلك ، لأنّ المرجع بها إلى ما ذكرناه من نفي المساواة بين الشيئين فيما يرجع إلى حقيقتهما . ولئن جاوزتا « 2 » عن ذلك ، فلم لا يجوز أن يخالف تعالى غيره من المحدثات بذاته المقدّسة .
وقولهم : « مخالفه « 3 » أيضا ذات » نقول عليه : إنّما وقع الاشتراك بين ذاته تعالى وبين ذات غيره من المحدثات في التسمية . وإلّا فأين حقيقة ذاته تعالى من حقيقة ذات غيره . ما وقوع لفظ الذات على الحقائق المختلفة إلّا كوقوع لفظ العين على حقائقه المختلفة ، فغير مسلّم أن ذات غيره كذاته تعالى ، حتّى أنّه لا يجوز وقوع الخلاف بمجرّد ذاته .
ومن عجيب القول أنّهم يذهبون إلى أنّ مجرّد الذات غير معقول ولا معلوم ، ثمّ يقولون : الذوات كلّها مشتركة متساوية في الذاتيّة ، ويبنون عليه القول بأنّه تعالى لا يجوز أن يخالف ما يخالفه بذاته . فما لا يكون معقولا ولا معلوما ، كيف
هامش
( 1 ) م : ما يكون طردهما .
( 2 ) م : جازتا .
( 3 ) م : مخالفته .