ما وصفناه ، أولى من إثبات مائيّتين ومن إثبات كيفيّة أخرى ، ومن إثبات كيفيّة أخرى ومن إثبات ثالث ورابع ، لأنّ للكلّ إثبات ما لا دليل عليه ، فيجب بطلانه .
فإن قيل : أفتصفونه تبارك وتعالى بالصفة الخامسة التي أثبتها أبو هاشم ؟
قلنا : لا ، وذلك لأنّه لا يدلّ على إثبات تلك الصفة دليل ولا طريق أيضا إليه ، ولا يجوز إثباتها على ما مضى القول فيه .
فإن قيل : كيف تقولون لا طريق إليها ؟ وقد استدلّ أصحاب أبي هاشم عليها بالمخالفة وبوجوب كونه تعالى قادرا عالما حيّا .
أمّا استدلالهم بالمخالفة فهو أنّ قالوا : قد ثبت أنّه تعالى بخلاف الذوات المحدثات ، فلا يخلو من أن يكون مخالفته لها لأمر أو لا لأمر . وباطل أن يكون لا لأمر ، لأنّه لو كان كذلك لم يكن بأن يكون مخالفا أولى من أن يكون مماثلا .
وإذا كان لأمر ، فذلك الأمر إمّا أن يكون ذاته تبارك وتعالى ، أو صفة من صفاته ، أو كيفيّة صفة من صفاته .
قالوا : ولا يجوز أن يخالف بمجرّد الذات ، لأنّ مخالفه أيضا ذات ، فتعيّن أنّه يخالفه بصفاته أو كيفيّات صفاته .
قالوا : وصفاته تنقسم إلى صفات ذات وإلى صفات المعاني ، ككونه مريدا وكارها ، وإلى صفة يستحقّها لا لنفسه ولا لمعنى ، ككونه مدركا ، وإلى صفات الفعل ، ككونه خالقا ورازقا ومنعما ومتفضّلا ، وكيفيّة صفاته وجوب كونه قادرا عالما حيّا موجودا .
قالوا : ولا يجوز أن يخالف بصفات المعاني أو التي يستحقّها لا للنفس ولا للمعنى ، أو بشيء من صفات الأفعال ، لأنّ جميع هذه الأوصاف أمور متجدّدة والخلاف يسبقها ، ثمّ وصفات الأفعال ليست أمورا راجعة إلى ذاته تعالى ، حتى
المنقذ من التقليد — صفحة 89
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٨٩