يبيّن ما ذكرناه ويوضحه : أنّ الأعيان المعدومة لو ثبتت لكان الطريق إليها الاستدلال دون الضرورة ، إذ لا يمكن أن يقال : نعلم ضرورة كون المعدوم ذاتا وعينا من حيث إنّ دعوى الضرورة في ذلك ليست بأولى من دعوى الضرورة في خلافه ، بل ادّعاء الضرورة في خلافه أقرب إلى الأوهام .
إذا تقرّر أن طريق ذلك إنّما هو الاستدلال بأن « 1 » لو ثبت . فمن لم ينظر فيما يدلّه على ذلك أو لم يكن من أهل النظر جملة ، كالصبيّ ، فإنّه قد يعلم أفعاله قبل وجودها وقد يميّز بعضها عن بعض ويقع تصرّفه بحسب قصده وداعيه .
ثم لا يمكن ادّعاء القول بأنّه يعلم الذوات المعدومة ، بل زائدا على الصّبي ، فإنّ الحيوانات التي ليست من جنس الإنس ، كالطّيور والوحوش والبهائم تعلم أفعالها قبل وقوعها وتميّز بعضها من بعض ألا ترى أنّ الطير مثلا يفصل بين الطيران الممكن وقوعه منه وبين الوقوف حتّى إذا قصده إنسان أو شيء من الجوارح فإنّه يطير ولا يقف ، ولا ذلك إلّا لفرقه بين الطيران والوقوف ، وكذا القول في سائر الحيوان أفترى أنّها تعلم الذوات المعدومة أنّ هذا لجهالة عظيمة تمسّكوا بكونه تبارك وتعالى عالما بالمعدوم ، وقالوا إنّه يعلم المعدومات مفصلة مميّزة ، ولا يصحّ أن يعلمها مفصّلة مميّزة إلّا وهي كذلك ، والأشياء لا تكون مفصلة مميّزة إلّا بالصفات ، والصفة لا تثمر التميّز إلّا وهي ثابتة في الحال . أمّا المترقبة فإنّها لا تفيد التميّز سابقا عليها ، فثبت بهذا أنّ المعدومات أشياء موصوفات معيّنات ، ولولا علمه بذلك ما صحّ منه إيجاد ما يريده بدء وعودا .
والجواب عن ذلك ، أنّا نقول : أمّا التمسك بكون الواحد منّا عالما في المسألة ، فله وجه ، وذلك لأنّا نعلم كوننا عالمين بما نعلمه على التفصيل ، فصحّ أن يدّعى أنّا نعلم المعدوم على وجه كيت وكيت ونميّز بينها ، ويمكن الحوالة على
هامش
( 1 ) م : أن .