ما يجده الإنسان من نفسه ، وقد تعلّقوا بذلك . وأجبنا عنه وبيّنا أنّا كيف نجد كوننا عالمين بالمعدوم .
وأمّا التمسّك بكونه تعالى عالما في هذه المسألة فمما لا وجه له ، لأنّه أمر غائب عنّا ، ولا نعلمه على طريق التفصيل ، وإنّما يعلم في الجملة أنّه تعالى عالم لذاته ، وأنّه يجب أن يكون عالما بجميع ما يصحّ أن يعلم على سائر وجوهها الّتي يمكن أن يعلم عليها ، ولا نعلم من عالميّته شيئا وراء هذا ، ولا ندري أنّه هل يعلم المعدومات ذوات أو غير ذوات وإنّما يمكننا أن نعلم ذلك بعد أن يتبيّن لنا بطريق آخر أنّ المعدومات ذوات وأعيان ، فحينئذ يمكننا أن نعلم أنّه تعالى يعلمه كذلك وذلك لأنّ العالم إنّما يعلم المعلوم على ما هو به .
وعلى هذا لا يصحّ التمسّك في أنّ زيدا في الدار بأن يقال : إنّه تعالى عالم لذاته ، فيعلم أنّ زيدا في الدار ، وإذا علمه كذلك كان في الدار بل يجب أن يبيّن أوّلا أنّه في الدار ، ثمّ عند ذلك نعلم أنّه تعالى يعلمه في الدار ، كذلك في مسألتنا .
يبيّن ما ذكرناه : أنّ كون العالم عالما في تعلّقه بالمعلوم على ما هو به كالمرآة المستقيمة في إراءتها الصورة على ما هي عليه . وإذا كان كذلك لم يجز التمسّك في أنّ فيما غاب عنا صورا جميلة ونقوشا مليحة من حيث إنّ ثمّ مرآة مستقيمة ، وهي تري صورا جميلة ونقوشا مليحة . بل الواجب أن نبيّن أن ثمّ تلك الصور « 1 » والنقوش ، ثمّ نحكم بأنّ المرآة تريها وتحاكيها . كذلك في مسألتنا يجب أن نبيّن أنّ المعدومات ذوات وأعيان مفصّلة مميّزة ثمّ نوجب كونه تعالى عالما بها ، فأمّا التمسّك بكونه تعالى عالما لذاته في أنّ المعدوم ذات وعين فممّا لا وجه له ، وهو رجم بالغيب على ما بيّناه .
هامش
( 1 ) م : الصورة .