تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
وأيضا ، فإنّ الأصل في العلم بالمعدوم هو ما نجده من أنفسنا من علمنا بأفعالنا قبل إيجادها وتميّز أجناسها بعضها من بعض ، وعلمنا بأحكامها التي تثبت لها عند الوجود ومعلوم أنّا لا نجد من أنفسنا إلّا العلم بصورة تلك الأفعال وحقائقها التي تثبت لها عند الوجود ، ولا نعلمها « 1 » على أمور تقتضي أوصافا لها عند الوجود . وكذلك إذا علمنا في مقدوره تعالى سوادا فإنّما نعلم الهيئة الّتي تحصل للسواد عند الوجود ، ولا نجد من أنفسنا أنّا نعلم السواد في حال العدم ، على أمر يقتضي هذه الهيئة عند الوجود ؛ ونعلم أنّ هذا العلم ، كالعلم بالكتابة في أنّه علم بكيفيّة ترتيب تلك الرقوم وصورتها التي تحصل لها عند الوجود ولا التفات له إلى أمر ثبت حالة العدم ، ولا متعلّق له فإذا ثبت أنّ العلم بالمعدوم إنّما هو تصوّر الحقائق والأجناس وأنّه لا متعلّق له في وجود أو عدم . وعلى هذا فإنّه قد توجد الأشياء وتنعدم وعلمه هذا لا يتغيّر ، فبطل قول من قال : إنّ العلم بالمعدوم هو علم بشيء معيّن . وقد تعلّق أصحاب المعدوم بهذه الطّريقة أيضا ، بأن قالوا : أحدنا يعلم أفعاله قبل إيجادها ويميّز بعضها عن بعض ، وعلى هذا يقع تصرّفه بحسب قصده وداعيه فلو لا علمه بها وتمييزه بعضها عن بعض لما كان يقع بحسب قصده وداعيه وهذا يبيّن أنّ علمه يتعلّق بالمعدوم ، والتعلّق « 2 » إنّما يثبت بين شيئين وأيضا فانّه يميّز بعضها عن بعض ، فيجب أن تكون متميّزة ، لأنّ العلم متعلّق بالشيء على ما هو به فعلى هذا تكون المعدومات متميّزات ، فتكون أعيانا وذوات ، وهو المطلوب . والجواب عن ذلك : أنّا قد بيّنا من قبل أنّا كيف نعلم أفعالنا قبل وجودها ؟ وكيف نجد علمنا بها ، إذ قد ذكرنا أنّا نجد من أنفسنا
هامش
( 1 ) م : ولا يعلمها . ( 2 ) م : المتعلّق .