فإن قيل : بم تنكرون على من قال إنّ اللّه تعالى خلق الجواهر متفرّقة ، وإنّما رتّبها غيره ، فلا يدلّ ذلك على انّه تعالى عالم ، وإنّما يدلّ على أنّ ذلك الغير عالم .
قلنا : لو كان المرتّب [ لهذه الأفعال المحكمة غير اللّه تعالى ، لكان لا يخلو من أن يكون موجبا أو مختارا فإن كان موجبا لم يخل ] « 1 » من أن يكون واحدا أو أكثر من واحد . لا يجوز أن يكون واحدا ، لأنّ بنية الحيوان فيها أمور كثيرة متضادّة ومختلفة ، فلا يجوز صدورها عن موجب واحد وإذا كانت موجبات كثيرة وجب أن تقع مترتّبة حتّى تقع موجباتها أيضا مترتّبة ، وترتيبها يكون إحكاما فيها ، فيدلّ على علم مرتّبها ، وإن كان مختارا فلا بدّ من أن يكون عالما قادرا حيّا .
فإذا كان كذلك فلا بدّ من فاعله من أن يكون قادرا عالما ، لأنّ من لا يكون عالما ، لا يمكنه أن يجعل غيره عالما .
وقد استدلّ بعض المتأخّرين على كونه عالما بالفعل الواحد بأن قال :
لا يحصل الفعل من القادر إلّا لداع . وذلك لأنّ القادر يقدر على مقدورات عدّة وكلّ واحد منها جائز الوجود منه على حدّ سواء ، فإذا أوجد بعض مقدوراته لا بدّ أن يكون وجوده لداع دعاه إليه على ما تكرّرت الإشارة إليه ، وإلّا لم يكن بأن يوجده أولى من أن يكون لا يوجد غيره .
إذا ثبت هذا قال : فمن المعلوم أنّ الدّاعي لا يدعوه إلّا إلى ما علم القادر حقيقته وتصوّره . كمن يعلم حقيقة الحركة فيدعوه الدّاعي إلى إيجاد ما يطابقها . وذلك لأنّ الظّنّ لا يتعلّق بالحقائق والمعاني المفردة وإنّما يتعلّق بإضافة معقول إلى معقول ، ونفي إضافة معقول إلى معقول . وهذا موجود في أنفسنا بالتجربة ، لأنّا لو أردنا أن نظنّ جنسا آخر لتعذّر علينا ، فعلى هذا الجزء الواحد من الفعل يدلّ على علم فاعله بهذا التّدريج ، وهذا قريب .
هامش
( 1 ) ليس في ( م ) .