القول في أنّه تعالى موجود
لمّا ذهب مثبتوا الأعيان المعدومة إلى أنّ المعدوم عين وذات ، وأنّ الوجود حالة زائدة على ثبوت الشّيء يتجدّد على الذّوات المحدثة بالفاعل ، جوّزوا في الذي علموه من المؤثّر في حدوث الأجسام الذي علموه قادرا عالما لذاته أن يكون معدوما ، فاحتاجوا إلى إقامة دلالة مستأنفة على أنّه تعالى موجود . فأمّا نحن إذا لم نثبت للوجود حالة زائدة على ثبوت الشّيء فلا نحتاج إلى إقامة دلالة مستأنفة على وجوده تبارك وتعالى ، لأنّا قد علمنا ثبوته الذي هو وجوده بالدلالة التي دلّتنا على ثبوته من حدوث الأجسام .
فإن قيل : لم قلتم إنّ وجود الشّيء هو ثبوته ؟ وهلّا جوزّتم أن تكون حالة زائدة على حقيقة الشيء ، على ما يقوله القوم ؟ .
قلنا : لو كان كذلك لوجب أن يتصوّر أن يعلم ثبوت شيء معيّن ولا نعلم وجوده ، أو نعلم وجوده ولا نعلم ثبوته مثلا ، كأن نعلم متحيّزا معيّنا ولا نعلم وجوده ، أو نعلم وجوده على التعيين ولا نعلمه متحيّزا ، وقد علمنا خلاف ذلك .
وليس لأحد أن يقول : إنّما استحال ذلك ، لأنّ أحد العلمين محتاج ، إلى الآخر ، وذلك لأنّه لا يمكن أن يقال بحاجة كلّ واحد منهما إلى الآخر ، لأنّ ذلك يؤدّي إلى حاجة الشيء إلى نفسه . فلا بدّ أن يقال : بأنّ أحدهما لا يحتاج إلى