تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨

القول في كونه تعالى عالما

قد حدّ العالم بحدود لا تصحّ ، فالأولى أن لا يحدّ العالم والعلم فمن جملة ما حدّ العالم به أن قيل : « هو الذي يصحّ منه إحكام الفعل محقّقا أو مقدّرا ، أو المختصّ بحال لأجلها يصحّ منه إحكام الفعل محقّقا أو مقدّرا » . وهذا لا يصحّ . وذلك لأنّ في العالمين من لا يصحّ منه إحكام شيء لمكان كونه عالما ، وذلك كالعالم بذاته وتوحيده ، وعدله ، فإنّه لا شكّ في أنّه لا يتأتّى من هذا العالم - لعلمه هذا - إحكام شيء البتة . وكذا العالم بالمفردات التي يتأتّى فيها الإحكام لا يتأتّى منه إحكام تلك المفردات لعلمه بها ، وإنّما يصحّ إحكامها منه إذا علم كيفية ترتيبها ، فعلم أنّ من العالمين من لا يصحّ منه الإحكام وبذلك ينتقض الحدّ . وقد قيل : « العالم من له علم » ، وهذا أيضا لا يصحّ ، لأنّه إذا سئل عن العلم وحده يقول : هو ما يوجب كون من قام به عالما . وهذا على ما ترى تحديد كلّ واحد من اللّفظين بصاحبه ، ثمّ ومن العلمين من هو عالم لا يعلم فينتقض به هذا الحدّ . فظهر أنّ الأولى أن لا يحدّ العالم والعلم ويحال المرء على ما يجده من نفسه من ثقته بالمشاهدات وبما علمه استدلالا مع صحّة دليله عنده ، فإنّه يفرّق بين حالته تلك وبين اعتقاده شيئا تقليدا أو تبحيثا ، وكذا يفصل بينها وبين ظنّه بشيء عند أمارته فالعالميّة مثل هذه الحالية .
المنقذ من التقليد — صفحة 38 | الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي