الآخر . فإن كان المحتاج هو العلم بالتحيّز إلى العلم بالوجود ، وجب أن يصحّ أن يعلم موجودا وإن لم يعلم متحيّزا ، وإن كان المحتاج هو العلم بالوجود إلى العلم بالتحيّز وجب أن يصحّ أن يعلم متحيّزا وإن لم موجودا والمعلوم خلافه .
فإن قيل : يصحّ أن يعلم وجود الجوهر ولا يعلم تحيزّه . وذلك بأن يوجد اللّه تعالى جوهرا ، ثمّ يخبر على الجملة بأنّي أوجدت ذاتا ، فعند ذلك نعلم وجود تلك الذات التي هي الجوهر المتحيّز ، ولا نعلم متحيّزا فنعلم وجود المتحيّز في هذه الصّورة ولا نعلم تحيّزه .
قلنا : علمنا بوجوده عند تحيّزه إنّما هو علم بتحيّزه على الجملة ، وإنّما لم نعلم أنّا علمناه متحيّزا ، لأنّ علمنا به إنّما هو على طريق الجملة .
يبيّن ما ذكرناه أنّه لو أخبر تعالى عن هذه الذات بأنّي أوجدت ذاتا موصوفة بصفة زائدة على وجوده ، على ما يذهب إليه الخصم لكنّا عالمين بالذّات على تلك الصفة الّتي هي التحيّز في نفسها وما كنّا عالمين بأنّا نعلمها متحيّزة ، ثمّ لا يدلّ على أنّ الصفة التي أخبر اللّه تعالى عنها ليس هي التحيّز ، وإنّما هي زائدة على التحيّز ، كذلك لا يلزم ما ذكره السائل .
يزيد ما ذكرناه وضوحا أنّ وجود الجوهر لو كان زائدا على التحيّز لتصوّر أن يعلم الجوهر موجودا أو إن لم يعلم متحيّزا ، أو متحيّزا من دون أن يعلم موجودا ، سواء كان العلم به جملة أو علم تفصيل ، ومعلوم أنّ هذا مستحيل فيما نعلمه مفصّلا من الجواهر .
فإن قيل : ألسنا نعلم وجود السواد وهو ليس بمتحيّز ، فقد علمنا الوجود من دون التحيّز في غير الجوهر .
قلنا : كما نذهب إلى أن وجود الجوهر هو تحيّزه ، كذلك نذهب إلى أنّ وجود السواد هو هيئته المخصوصة ، فالوجود اسم مشترك يقع على حقائق مختلفة كالعين .
المنقذ من التقليد — صفحة 43
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٤٣