وقيل : العالم هو المتبيّن للشيء . وهذا إن ذكر على سبيل التحديد ، لم يصحّ لأنّ العالم أوضح عن المتبيّن ، وقد ذكرت فيما خرج من التّعليق أنّ أحدنا عندما يعلم أمرا من الأمور يجد نفسه معتقدة لذلك الأمر ، مع سكون نفسه إليه ، فالعالم هو من يكون على مثل تلك الحالة ، سمي بذلك أو لم يسمّ به . وهذا أيضا إشارة إلى وجدان العالميّة من النفس ، وليس حدّا للعالم .
إذا تقرّر هذا فنقول : الدليل على أنّه تعالى عالم هو أنّه قد فعل الأفعال المحكمة ، والفعل المحكم لا يتأتى إلّا من العالم .
فإن قيل : ما المعنيّ بالفعل المحكم ؟ ولم قلتم إنّه صدر منه تعالى الفعل المحكم ؟ ولم قلتم إنّ الفعل المحكم لا يتأتّى إلّا من العالم ؟ .
قلنا : أمّا المراد بالفعل المحكم ، فهو الذي يترتّب ترتّبا مطابقا للمنفعة ، كالكتابة والنساجة وغيرهما .
وإنّما قلنا : فعل تعالى الأفعال المحكمة ، نظرا منّا إلى جملة العالم وتفاصيله .
ألا ترى إلى خلقه السماوات وما رتّب فيها ، من الكواكب والشّمس والقمر ومجاريها وبعد الشّمس من الأرض وقربها اللّذين يتعلّق بهما اختلاف الفصول ، من الرّبيع والخريف والصّيف والشّتاء ، ولا يخفى تعلّق المنافع والمصالح باختلاف هذه الفصول . وكذلك القول في الأرض وما فيها من أنواع النّبات والحشائش الّتي ينتفع بها أنواع الحيوانات . وكذلك خلقه الحيوانات على اختلاف بناها وأشكالها وآلاتها وحواسّها الّتي بها تتوصّل إلى منافعها التي لو لم تكن لما مكّنها التوصّل إلى تلك المنافع .
وإنّما قلنا : إنّ الفعل المحكم لا يتأتّى إلّا من عالم ، لانّه إذا كان المحكم هو الفعل المترتّب على ما ذكرناه والتّرتب يرجع إلى تقديم بعضه وتأخّر البعض ، وما كان كذلك لا يمتنع أن يكون المؤخّر مقدّما ، والمقدّم مؤخّرا فلا يمكن تحصيله بمجرّد الاقتدار ، وإلّا كان يجب أن يصحّ من كلّ قادر ، والمعلوم خلافه .
المنقذ من التقليد — صفحة 39
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٣٩