تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
أو من غيره ليس كصدر الإحراق والتسخين من النار ، والتبريد من الثلج والهويّ من الثقيل . يبيّن ذلك أنّه يعلم ضرورة استحقاقنا المدح على بعض هذه التصرّفات ، والذمّ على البعض ، فلو كنّا موجبين لما استحققنا ذمّا ولا مدحا على ما يقع منا . ألا ترى أنّ الملجأ وان لم يجب وقوع ما هو ملجأ إليه فإنّه لا يستحقّ مدحا ولا ذمّا على ما الجئ إليه لما قرب ذلك من الوجوب . وبيان أنّ الملجأ ليس بموجب أنّه يتصوّر منه أن يعرض عمّا ألجئ إليه إلى غيره ، كالملجإ إلى الهرب من السّبع ، فإنّه إن اعترضه سبع ثان ، فإنّه يتنكّب عن الطّريق أو يتوقّف ، فعلمنا أن ما يقع منه ليس واجبا وقوعه منه ، ولكنّه لمّا قرب من الوجوب لم يستحقّ مدحا ولا ذمّا . فإن قيل : ألستم تقولون إنّه يجب وقوع تصرّفنا بحسب قصودنا ودواعينا ، وانتفاؤه بحسب صوارفنا وكراهتنا ؟ فكيف تقولون الآن لا يجب ما يصدر عنّا ؟ وهل هذا إلّا مناقضة ظاهرة ؟ . قلنا : مرادنا بقولنا : « يجب وقوع تصرّفنا بحسب قصودنا ودواعينا » أنّ وجوده عند ذلك يكون أولى من عدمه ، وأنّ انتفاءه عند الصّارف والكراهة يكون أولى من وجوده ، والوجوب الّذي نفيناه عن أفعالنا هاهنا إنّما هو استحالة الخلاف ، كما في تأثير الموجبات مع زوال الموانع فلا يتناقض القولان . وبمثل ما قلنا ، في تفسير وجوب وقوع تصرّفنا بحسب قصدنا ودواعينا ، نجيب عن سؤال من يقول : إذا كان وقوع التصرّف عند الدّاعي الخالص من معارضة الصوارف غير واجب ، بل كان جائزا على ما كان ، فلما ذا يحصل ؟ وذلك لأنّا نقول : إنّ عند الداعي ما بقي وجود الفعل جائزا على الحدّ الذي كان من قبل ، بل ترجّح وصارا أولى من العدم . فإن قيل : أتثبتون له تعالى بكونه قادرا ، مزيّة على ذاته المنزّهة ؟ قلنا : لا وذلك لأنّه لا دلالة تدلّ عليها . ألا ترى أنّ الذي يدلّنا على إثبات