ومن منع من كون هذا العلم متعلّقا بذاته تعالى ، إنّما يمنع من ذلك بأنّ يقول هذا علم جملة ، وعلم الجملة لا تعلّق له .
فيقال « 1 » : ما ذا تريد بقولك علم الجملة ؟
ان عنيت به العلم بحقائق الأشياء الذي يسمّيه بعض الأقوام تصوّرا ، كالعلم بأنّ الجوهر ما هو ؟ والكون ما هو ؟ وكذا القول في اللون وسائر الأجناس ، على ما تقدّم ، فلا شك في أنّ هذا العلم لا تعلّق له ، إذ لا التفات لهذا العلم إلى جوهر معيّن أو سواد معيّن أو شيء معيّن ، وليس الجوهر المطلق شيئا موجودا خارج الذهن حتّى يجعل هذا العلم متعلّقا به . فالقول بأنّ هذا العلم غير متعلّق صحيح ، ولكنّ العلم بأن للأجسام محدثا ليس من هذا القبيل ، حتّى يقال لا تعلّق له .
وإن عنيت به العلم بشيء من جملة أشياء ، كعلم الإنسان بانّ زيدا في هذه العشرة ، فقلت إنّ هذا العلم لا تعلّق له ، فهذا باطل ، لأنّ هذا العلم له التفات إلى شخص من أشخاص الناس ، والعالم به يعلم أنّه معيّن في نفسه وإن لم يتعيّن له ، وأنّه بخلاف العلم بحقائق الأشياء ، وإنّما لم يتميّز له معلومه كلّ التميّز ، وإلّا فمعه ضرب من التميّز . ألا تراه يعلم أنّ الذي علمه إنما هو في هذه العشرة دون غيرها من العشرات ، وإن كان العلم لا يتعلّق إلّا إذا كان معه تمام التميّز لوجب أن لا يكون في الشاهد علم متعلّق ، لأنّ أحدنا لا يعلم معلوما على سائر الضروب والتفاصيل الممكنة في حقّه .
هامش
( 1 ) ليس في ( ج ) .