تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنقذ من التقليد — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
قلنا : الاقتصار على تكليف المندوب لا يصحّ ولا يليق بالحكمة أيضا . أمّا بيان أنّه لا يصحّ : فهو أنّه إذا كلّفه المندوب إليه وجب أن يكمل عقله ويقدره ويخلق له النفرة المتعلّقة به ، ليشقّ عليه ، فيستحقّ في مقابلته الثواب وقد خلق فيه الشهوة المتعلّقة به بالمباحات لينتفع ، وكمال العقل للعلم بوجوب الواجبات وقبح المقبّحات فيكون عالما بهما . وقدرته على المندوب يكون قدرة على الواجب وعلى القبيح لما بيّناه من أنّ القدرة تتعلّق بالشيء وضدّه ومخالفه ممّا يدخل تحت مقدور القدرة فيكون قادرا على الواجب والقبيح جميعا ، والنفار المتعلّق بالمندوب متعلّق بالواجب أيضا . وكذلك شهوة المباح أيضا تكون متعلّقة بالقبيح وذلك لأنّ الشهوة والنفار يتعلّقان بالأجناس ، وضروب الأجناس ، وليسا مقصورين في تعلّقهما على الأجناس ، فعلى هذا التقدير يكون قد حصل فيه شروط تكليفه فعل الواجب والامتناع من القبيح ، وقد بيّنا انّه لا بدّ من أن يكلّف من أكمل فيه شروط التكليف . وأمّا بيان أنّ الحكمة تقتضي إلى أن لا يقتصر في تكليفه على المندوب ، فهو أنّه إذا اقتصر في تكليفه على المندوب كان للمكلّف أن يفعل المندوب ، فلا يكون تعريضه بليغا كاملا ، بخلاف ما إذا كلّفه فعل الواجب والامتناع من القبيح ، لأنّه لا يكون في تكليفهما خيرة فيتأكّد تعريضه لدرجة الثواب . واعلم أنّ التكليف إمّا أن يكون بعثا على الفعل بحيث لا يكون للمكلّف أن يخلّ به أو بما يقوم مقامه إن كان له بدل ، أو يكون بعثا عليه بأن يبيّن له بأنّ الأولى فعله فيكون ذلك ترغيبا في الفعل وندبا إليه . وإمّا أن يكون بعثا على أن لا يفعل ، وذلك أيضا ينقسم إلى أن يكون بحيث لا يكون للمكلّف فعله بوجه من الوجوه ، فيكون ذلك التكليف حظرا وتحريما ، وإمّا أن يكون للمكلّف رخصة في فعله ، بأن يبيّن له أن الأولى أن لا يفعله كتقاضي الغريم فيكون ذلك تنزيها لا تحريما .