لم كلّفتني تحمّل المشاقّ في أداء الطاعات وتجنّب الملاذّ التي كانت في ارتكاب المقبّحات ؟ فيقول تعالى : لأنّي عوّضتك بذلك الدرجة الرفيعة ، والمنزلة العظيمة المقرونة بالتعظيم والتبخيل التي أنت فيها ولولا التكليف لما وصلت إليها . فيقول الطفل : يا ربّ ! فلم لم تكلّفني ذلك حتّى أصل إلى هذه الدرجة ؟
فيقول اللّه تعالى : لأنّي قلت إنّي لو كلفتك لكفرت واستحققت العقاب ، فكنت معاقبا الآن ولم يصل إليك النفع الذي هو حاصل لك الآن ، فيقول الكافر عند ذلك : يا ربّ ! إنّك علمت أنّي أكفر واستحقّ العقاب وأعاقب ، فلم كلّفتني ؟ فعند ذلك يلزم اللّه تعالى الحجّة على مذهبكم .
والجواب عن هذا أن نقول : نحن لا نرتضي الأجوبة التي حكيتموها ، بل لأصحابنا في ذلك جوابان على اختلاف مذهبهم في الأصلح : أمّا من ذهب إلى أن الأصلح في الدنيا غير واجب ، فانّه يقول : إنّ اللّه تعالى يجيب المؤمن : بأني إنّما كلّفتك ، لأني عرضتك للثواب الذي هو حاصل لك ، وهذا كان غرضي أيضا في تكليف الكافر ، غير أنّك أحسنت الاختيار لنفسك فأطعت واستحققت الثواب ووصلت إليه والكافر أساء الاختيار فاستحقّ العقاب ولم يصل إلى ما عرّضته له . ويقول للطفل : إنّ تكليفي لمن اكلّفه تفضل منّي عليه ، وللمتفضّل أن يتفضّل على من يريد ولا يتفضّل على غيره . ولا يلزم على هذا الجواب أن يقول الكافر . لم كلّفتني وهلّا احترمتني لأنّا في هذا الجواب لم نوجب احترام الطفل بسبب علمه تعالى بأنّه يكفر وإنّما قلنا بانّ اللّه تعالى لم يتفضّل عليه بالتكليف ، فلا يتأتى عليه سؤال الكافر .
وأمّا من قال بوجوب الأصلح في الدنيا فانّه يقول : إنّ اللّه تعالى انّما كلّف المؤمن لأنّه عرّضه بتكليفه الثواب ولم يكن تكليفه مفسدة لغيره وإنّما لم يكلّف الطفل من حيث علم انّه لو كلّفه لكان تكليفه مفسدة لغيره ، والكافر إنّما كلّفه لأنّه عرّضه للثواب ولم يكن تكليفه أيضا مفسدة للغير ، فاستقام الجواب
المنقذ من التقليد — صفحة 250
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٥٠