وجملة الأمر وعقد الباب أنّ جميع ما كلّفناه ، فعلا كان أو أن لا يفعل ، إقداما أو احجاما ، لا بدّ من أن يكون ممّا يستحقّ به المدح والتعظيم ، كفعل الواجب والمندوب إليه والامتناع من القبيح ثمّ ينقسم إلى ما يستحقّ بالمخالفة فيه الذمّ فيكون كلّفناه وجوبا وإلى ما يستحقّ الذّم بالمخالفة فيه فيكون رغبنا فيه وندبنا إليه . فعلى هذا يخرج المباح وفعل الطفل والمجنون والساهي والنائم والملجأ من هذا الباب ، لأنّ جميع ذلك ممّا لا مدخل له في مدح ولا ذمّ لا في الفعل ولا في أن لا يفعل .
وجميع ما كلّفناه ينقسم إلى ما يتعلّق أفعال الجوارح وإلى ما يتعلّق بالقلوب . وما يتعلّق بالجوارح تنحصر أجناسه في الاعتمادات والأصوات والأكوان والآلام والتأليفات ، وما يتعلّق بالقلوب ينحصر في الأنظار والاعتقادات والظنون والإرادات والكراهات .
وجميع ذلك ينقسم إلى عقليّ وشرعيّ ، فالشرعيّ ممّا يرجع إلى ما يتعلّق بالقلوب العلوم بأصول الشريعة من أدلّتها المجملة والمفصّلة وبفروعها والأنظار في أدلّة الشرع والظنون المتعلّقة بالشرعيّات كالتجرّي في جهة القبلة والظنون في اروش الجنايات وقيم المتلقات وتقدير النفقات والإرادات المتعلّقة بالأعمال الشرعيّة من النيّات والعزوم عليها والكراهات المتعلّقة بالمحظورات الشرعيّة ، وما يرجع إلى أعمال الجوارح في الشرعيّات فأمثلتها كثيرة ، كالصلاة والزكاة والحجّ وغير ذلك . والعقليّ ممّا يرجع إلى ما يتعلّق بالقلب فالنظر في طريق معرفة اللّه تعالى والعزوم والنيّات المتعلّقة بأداء الواجبات العقلية ومندوباتها العقلية من الظلم والكذب وغيرهما ، وما يتعلّق بأفعال الجوارح من العقليّات ، كردّ الوديعة وقضاء الدين وإظهار شكر النعمة باللسان .
ثمّ لهذه التكاليف ترتيب فالتكاليف الشرعيّة بجملتها مترتبة على
المنقذ من التقليد — صفحة 254
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٥٤