التكليف العقليّ من معارف التوحيد والعدل والعبادات الشرعيّة ، مترتّبة على العلم بصورتها وكيفيّتها وعلى العلم بوجوبها وعلى العلم بالمعبود الذي يعيد بها ، وإن كان العلم بالمعبود لا يدخل في التكاليف الشرعيّة ، فانّه من التكاليف العقليّة .
ثمّ وللشرعيّات أسباب وشروط ، وهي منقسمة إلى ما لا يتعلّق بالمكلّف فلا يدخل في غرضنا هذا ، وإلى ما يتعلّق به ، وهو ينقسم أيضا إلى ما لا يتعلّق به تكليف كتحصيل النصاب في الزكاة والاستطاعة في وجوب الحجّ وهذا أيضا ساقط هاهنا ، وإلى ما يتعلّق به تكليف ، كالطهارة في الصلاة والطواف ، فتكليف المشروط في هذا القسم مرتّب على تكليف الشرط فيه أعني أنّه مكلّف بتقديم الطهارة ثمّ ترتيب الصلاة عليها ، وإن كان الشرط في الغرض تابعا للمشروط ، إذ لولا وجوب الصلاة لما وجبت عليه الطهارة .
وأمّا العقليات فالنظر في طريق معرفة اللّه تعالى مقدّم في الوجوب وكونه مكلّفا به على سائرها وباقي العقليّات لا ترتيب فيها ، فحصل من هذه الجملة أنّ النظر في طريق معرفة اللّه تعالى أوّل فعل يجب على المكلّف . وإذا قد عرض الكلام في وجوب النظر فلنوفّيه بعض حقّه ونقول : إنّه أوّل فعل يجب على المكلّف ممّا لا يخلو مع كمال عقله منه لأنّه مقدّم على سائر العقليّات وقد ذكرنا أنّ العقليّات متقدّمة على الشرعيّات بأسرها ، فتحقّق انّه أوّل فعل يجب على المكلّف على ما ذكرناه .
فإن قيل : لم قلتم إنّ النظر واجب ، ثمّ لم قلتم إنّه أوّل الواجبات ؟
قلنا : إنّما قلنا إنّه واجب لوجهين اثنين : أحدهما يرجع إلى نفس النظر والآخر يرجع إلى المعرفة . أمّا الوجه الأوّل الذي يرجع إلى نفس النظر ، فهو انّه بصفة دفع المضرّة ، ودفع المضرّة معلوم وجوبه عقلا ، سواء كانت المضرّة معلومة أو مظنونة . وإنّما قلنا إنّه بصفة دفع المضرّة لأنّ العاقل يخاف في ابتداء كمال
المنقذ من التقليد — صفحة 255
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٥٥