عقله من إهماله ويرجو بفعله زوال ما يخافه ، وما هذا حاله يكون دفعا للمضرّة فيكون واجبا وأمّا الوجه الآخر الراجع إلى المعرفة ، فهو أنّ معرفة اللّه تعالى واجبة ولا تحصل إلّا بالنظر فيجب النظر بوجوب ما لا يتمّ الواجب إلّا به .
فإن قيل : على الوجه الأوّل إنّكم بنيتم وجوب النظر على خوف العاقل من إهماله ، فلم قلتم إنّه يخاف من إهماله ؟ وما سبب خوفه ؟ أرأيتم لو لم يحصل لبعض العقلاء هذا الخوف ؟ أليس لا يجب عليه هذا النظر على ما ذكرتموه ؟
فيكون قد خلا ذلك العاقل من وجوب النظر عليه ، فيبطل قولكم إنّه ممّا لا يخلو المكلّف مع كمال عقله من وجوبه .
قلنا : إنّه يخاف بأحد الأسباب المعروفة المذكورة في الكتب التي هي إمّا أن يسمع اختلاف الناس في آرائهم وأديانهم وتضليل بعضهم بعضا وادّعاء كلّ فريق منهم أن الحقّ معهم والباطل مع مخالفيهم إن كان ناشئا فيما بينهم أو بان يسمع تذكير مذكّر أو وعظ واعظ يذكّر الناس بأيّام اللّه والثواب والعقاب ، وإمّا أن ينتبه من ذي قبل بأن يرى آثار النعمة على نفسه ظاهرة فيجوّز أن يكون له صانع صانعه وأنعم عليه بتلك المنافع وأراد منه معرفة وشكره وأنّه لو عرفه وشكره ربما زاد في نعمته وإن لم يعرفه أزال عنه نعمته ، وربما أضرّه بنوع مضرّة ، إذ قد تقرر في عقله أن من لا يشكر النعم يستحقّ الذمّ ، والذمّ ممّا يضرّ المذموم . وإن لم يتفق له أحد هذين الوجهين ، فلا بدّ من أن يخطر اللّه بباله ما يتضمّن هذا المعنى فيخوّفه به وينبّهه على جهة الخوف وسببه ، فيعلم عند ذلك وجوب النظر عليه .
أمّا قول السائل : أرأيتم لو لم يحصل له هذا الخوف ؟ فالجواب عنه أن نقول لو لم يحصل للعاقل شيء من أسباب الخوف لم يكن مكلّفا جملة ، وذلك لأنّه إذا لم يخف لم يجب عليه النظر على ما ذكره السائل ، وإذا لم يجب عليه النظر فلا يكلّفه اللّه تعالى النظر ، وإذا لم يكلّفه النظر لم يكلّفه المعرفة ، إذ لا يمكن تحصيل
المنقذ من التقليد — صفحة 256
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٥٦