فإن قالوا : إنّما استضرّ بالفعل الشاقّ الذي الزمه المكلّف .
قلنا : فهذا الوجه قائم في تكليف المؤمن ، وقد خرج من أن يكون إضرارا به بالثواب الذي ضمن في مقابلته .
فإن قالوا : إنّما استضرّ بالعقاب النازل به .
قلنا : العقاب ليس تكليفا وإنما استضرّ الكافر بالعقاب ونزوله به لا سائته الاختيارية لنفسه في فعل المعصية وترك الطاعة . ولو أحسن الاختيار لنفسه بان فعل الطاعة وترك المعصية لانتفع كالمؤمن .
فإن قالوا : إنّما كان تكليفه مضرّة من حيث علمه تعالى أنّه يكفر فيعاقبه .
قلنا : لو انفرد علمه تعالى عن معصية الكافر لما استضرّ .
فإن قالوا : إذا علم تعالى أنّه يكفر ويعصي فلا بدّ من وقوع الكفر والمعصية منه فإذا كلّفه مع هذا العلم فقد أضرّ به لأجل التكليف مع هذا العلم .
قلنا : هذا كلام من يظنّ انّ اللّه تعالى قد اختار أن يعلم أن الكافر قد يكفر فعلم وانّ علمه ساق الكافر إلى الكفر . وليس الأمر على ما ظنه السائل ، لأنّ الكافر ما عصى لعلم اللّه تعالى بأنّه يعصي ، بل انّما علم تعالى أنّه يعصي ، لأنّه يعصي لما بيّناه من أنّ العلم يتعلّق بالمعلوم . على ما هو به ولا يجعله على ما هو به حتّى لو فرضنا أن لا يعلم تعالى وقوع المعصية منه ، ووقوع الطاعة من المطيع لكان الذي يطيع يطيع والذي يعصي يعصي وعلى هذا فإذا علمنا أنّه تعالى سيقيم القيامة ويثيب المطيعين ويعاقب الكفّار لم يكن علمنا هذا سبب إقامة القيامة وإثابة المطيعين وعقوبة الكفّار .
فإن قالوا : هذا التكليف قبيح لأنّه عبث من حيث انّه أجرى به إلى غرض لا يتحصل ، وهو وصوله إلى الثواب .
قلنا : هذا التكليف من فعل حكيم ، فلا بدّ من أن يكون فيه وجه حكمة وغرض صحيح ، فلا يكون عبثا ، وهذا القدر يكفينا على طرق الجملة .
المنقذ من التقليد — صفحة 247
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٤٧