ثمّ نقول استطهارا في الحجّة ما قاله بعض الأصحاب وهو : أن تكليف الكافر لطف ومصلحة لغيره من المكلّفين ، فيخرج بذلك من أن يكون عبثا .
فإن قالوا : كيف يجوز إضرار الكافر لمنفعة غيره ؟
قلنا : هذا رجوع إلى الوجه الذي ذكرتموه قبل هذا وقد أجبنا عنه وبيّنا أنّ تكليفه ليس بإضرار ، وإنّما نتكلم الآن في أنّ تكليفه ليس بعبث ، فإذا حصل فيه الغرض الذي ذكرناه يخرج به من كونه عبثا ، ألا ترى انّه يقبح منّا استئجار الغير لينقل الماء من ساقية ويتركه في تلك الساقية ، لكونه عبثا ، ولكن لو استأجرناه ليستقي الماء من الساقية لغيرنا لخرج بذلك من كونه عبثا ، وإن رجع النفع إلى غيرنا .
وقد أجيب عن هذا السؤال بأن قيل : ليس الغرض في التكليف إيصال الثواب ، وإنما الغرض فيه التعريض للثواب وجعل المكلّف بحيث يمكنه الوصول إليه . وهذا الغرض متحقق في تكليف الكافر ، لأنّه تعالى عرّضه بتكليفه للثواب وجعله متمكنا من أن يؤمن ويطيع ، فيستحقّ الثواب ، فبطل بذلك قولهم « أجري بتكليفه إلى غرض لم يتحصّل » .
فإن قيل : أليس زارع السبخة مع علمه بأنّها لا تنبت يسفّه ويعدّ عابثا ولا يقبل منه الاعتذار بأنّي إنّما أزرعها تعرّضا لمنفعة الزرع من حيث انّه لا تحصل تلك المنفعة ، فهكذا الحال في تكليف الكافر ، لأنه تعالى علم أنّه لا يصل إلى الثواب الذي عرّضه له .
قلنا : زارع السبخة فاعل للقبيح ومستحقّ للذمّ من حيث انّه يتلف ماله الذي هو البذر ويتعب نفسه في طلب نفع يعلم أنّه لا يصل إليه ، فيتمحّض فعله إضرارا بنفسه ، فكذلك يقبح فعله ، وهذا محال فيه تعالى ، ولهذا قيل إنّ تكليف اللّه تعالى عبيده لا نظير له في الشاهد .
فإن قيل : تكليف الكافر مفسدة من حيث انّه يقع عنده الفساد الذي هو
المنقذ من التقليد — صفحة 248
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٤٨