قلنا : أليس اللّه تعالى علم أنّه لا يحرّك ورق الشجر في الوقت الذي لا يحرّكه ومع ذلك فانّه لا يقدر على تحريكه بالاتفاق ، إذ أضعف القادرين يقدر على ذلك ، ثمّ اقتداره تعالى على ذلك ليس اقتدارا على أن يجعل علمه غير علم .
وأصحابنا يجيبون عن هذا السؤال بأن يقولوا إنّما كان يلزم ما قالوه أن لو قلنا أنّه لو وقع من الكافر الإيمان لكان تعالى غير عالم بأنّه لا يؤمن وأن علمه تعالى بأنّه يكفر صار علما بأنّه يؤمن ، ونحن لا نقول ذلك بل نقول خطا أن يقال إنّه يكون علما بانّه يكفر ، لأنّه يقتضي تعلّقه بالشيء لا على ما هو به وخطاء قول من يقول يكون علما بأنّه لا يكفر ، لأنّه يكون فيه انقلاب علمه .
والجواب الصحيح عن هذا السؤال أن يقال : إذا فرضنا وقوع الإيمان منه أنّه تبارك وتعالى ما كان يكون عالما من الأزل بأنّه لا يؤمن ، بل كان بدله عالما بأنّه يؤمن وإنّما أشكل الأمر على السائل لأنّه قدّر وقوع الإيمان من الكافر مع إثباته كونه تعالى عالما بأنّه لا يؤمن . وهذا تقدير محال ، لأنّ العلم ، من حيث انّه يتعلّق بالمعلوم على ما هو به تبع للمعلوم في التعلّق ، فصار العلم والمعلوم من هذا الوجه من الأمور المتضايفة التي لا يمكن تقدير الإضافة في أحد المتضائفين مع نفي ما يقابله في الآخر . كالأبوة والبنوّة ، فانّه يستحيل أن يقدر في شخص أنه ابن شخص آخر ، مع تقديرك أنّ الآخر ليس أبا له ، بل مهما فرضت في أحدهما أنّه ولده فانّه يتضمّن هذا الفرض فرض الآخر بأنّه أبوه لا يتصوّر إلّا كذلك .
كذلك في مسألتنا ، إذا فرضت المعلوم على وجه فلا بدّ من أن تفرض في مقابلته تعلّق العلم به على ذلك الوجه ولا يمكن خلافه . ألا ترى أن القائل إذا قال : في بسرة صفراء كيف يعلمها اللّه سبحانه ، فجوابه أن نقول : يعلمها صفراء لأنّه « 1 » كذلك في نفسها .
هامش
( 1 ) كذا في النسختين ، والظاهر « لأنّها » .