فإن قيل : فلو كانت حمراء كيف كان الحال في كون تعالى عالما ؟
لكان الجواب عنه أن نقول : لو كانت حمراء لعلمها اللّه تعالى حمراء ، كذلك في مسألتنا ، والأصل في الباب والتحقيق فيه : أنّ العلم يتبع المعلوم في الرتبة ، وإن كان قد يسبقه في الثبوت ونسبة العلم إلى المعلوم كنسبة المرآة إلى الصورة التي ترى فيها . فإذا أرتنا المرآة صورة حسناء كانت تلك الصورة حسناء ، كما أرتناها . ولكن لم تكن الصورة كذلك ، لأنّ المرآة أرتناها كذلك ، بل إنّما أرتنا المرآة الصورة حسناء ، لأنّها كانت كذلك في نفسها .
وقد يورد المخالف هذا السؤال بعبارة أخرى ، وهي أن يقول : لو صحّ من الكافر الإيمان وقدر عليه وفرضنا وقوعه منه لكان يقتضي انقلاب كونه عالما ، وذلك لأنّه إمّا أن يبقى عالما بأنه لا يؤمن فيكون ذلك جهلا ، لأنّ تعلّقه على هذا التقدير ليس على ما هو المعلوم عليه ، وإمّا أن يصير عالما بأنّه يؤمن وفيه انقلاب كونه تعالى عالما .
والجواب عنه أن نقول : أتعني بقولك : « انقلب علمه تعالى لو أطاع الكافر » انّه لو أطاع الكافر لكان عالما بانّه يؤمن لم يزل ولا يزال ، فكذلك نقول وليس فيه انقلاب كونه تعالى عالما ، وإنما هو إثبات علم بدل علم أو نعني به أنّه تعالى كان يكون عالما لم يزل بأنّه يؤمن ثمّ يصير عالما بأنّه يؤمن ، فهذا ممّا لا نقوله ولا يصحّ تقديره ، إذ فيه أنّ علمه الازليّ تعلّق بالمعلوم ، لا على ما هو به .
فإن قالوا : في هذا التكليف وجه آخر من وجوه القبح وهو أنّه إضرار بالكافر .
قلنا : أتقولون إنّ نفس التكليف والأمر والبعث إضرار ، فهذا قائم في حقّ المؤمن ، فيجب أن يكون إضرارا به أيضا . على أنّ الأمر والتكليف كيف يتصوّر أن يكون مضرّة ؟ ولئن تصوّر أن تكون مضرّة كيف يستضرّ به المكلّف ؟ وهو مباين له غير حالّ فيه .
المنقذ من التقليد — صفحة 246
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٤٦