تعريض للثواب الذي وصفناه .
وإنّما قلنا : « لا يحسن إيصال الثواب إلّا بوسيلة التكليف » من حيث علمنا انّه يقبح من أحدنا أن يعظم صبيّا يأخذه من قارعة الطريق على حدّ ما يعظم إماما من أئمة المسلمين . وإنما يقبح ذلك ، لأنّه لا يستحقّ ذلك التعظيم ، ولا يجوز أن تكون المنفعة التي يضمنها تبارك وتعالى في مقابلة التكليف بصفة العوض أو التفضّل ، لأنّه لو كان كذلك لكان يحسن الابتداء به من غير تكليف ، فيقبح التكليف له . كمن يستأجر أجيرا لينقل التراب من مزبلة إلى مزبلة أو الماء من أوّل الساقية إلى آخرها ، أو من آخرها إلى أوّلها ، ولا غرض له في ذلك إلّا إيصال الأجرة إليه .
فإن قيل : إذا كان الثواب الذي عرّض المكلّف له في مقابلة المشقّة التي تلحقه بامتثال التكليف كان جاريا مجرى الأجرة عليها وحسن الاستيجار موقوف على التراضي ، فكيف يحسن منه تعالى التكليف من دون رضا المكلّف ؟
قلنا : إنّما يراعى التراضي فيما يختلف أحوال العقلاء فيه ، كالاجرة على العمل الشاقّ فانّه قد يؤثر عاقل عملا شاقا بمقدار معيّن من الأجرة ، وغيره من العقلاء لا يرضى بذلك المقدار من الأجرة في مثل ذلك العمل . فأمّا إذا كانت المنافع كثيرة عظيمة بحيث لا يختلف العقلاء فيه لكثرتها وخاصّة لاقترانها بالتعظيم والتبجيل حتّى تسفه من لا يختار تحمّل المشاقّ للوصول إلى مثل تلك المنافع فانّه يصحّ أن يختاره تعالى لعبده من دون رضاه .
فإن قيل : إذا بنيتم أن في التكليف وجه حسن ، وهو كونه تعريضا للثواب ، فبيّنوا أنّه ليس فيه وجه من وجوه القبح ، لأنّ الفعل لا يحسن عندكم ، وإن ثبت فيه وجه حسن أو عدّة من وجوه الحسن حتّى ينتفي عنه وجوه القبح .
قلنا : لو كان فيه وجه من وجوه القبيح لكان قبيحا ، ولو قبح لما فعله اللّه تعالى .
المنقذ من التقليد — صفحة 242
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢٤٢