إلى التسلسل ، وهو محال . فلم يبق إلّا أن يكون كلمة « كن » قديمة وإذا ثبت قدمها ثبت قدم القرآن بأسره ، إذ لم يفرّق أحد من الأمّة بين بعض القرآن وبين بعضه في قدم أو حدوث .
والجواب عن ذلك أن نقول : إنّ ما ذكره اللّه تعالى ليس إخبارا عمّا ظننتموه ، من أنّه يفعل الأشياء بكلمة « كن » ، وإنما هو خبر عن أنّه إذا أراد شيئا كوّنه وفعله بسرعة من دون أن يحتاج فيه إلى مهلة وزمان ، مثل ما يقوله الواحد منّا لمن استبطأ فعله الذي أمره به : « لست ممّن يقول للشيء كن فيكون » .
يبيّن ما ذكرناه أنّ ذلك لو كان خبرا عما ذكروه لكان ذلك خطابا للمعدوم وأمرا له بأن يكوّن نفسه ، أفيليق بالحكيم أن يخاطب المعدوم ويأمره بان يكوّن نفسه ؟ [ و ] هل يقدر المعدوم على تكوين نفسه ؟
ثم نقول لهم : كلمة « كن » مركبة من الكاف والنون ، والكاف مقدّم على النون ، فكيف يتصوّر في النون تقدّمه الكاف أن يكون قديما ؟ وكيف يمكن أن يكون الكاف قديما ؟ وقد تعقبه النون المحدث ، وما تقدّمه إلّا بأقلّ قليل الأوقات ، مع وجوب تقدّم القديم على المحدث بما لو قدّر أوقاتا لكانت بلا نهاية وبعد ، فانّ في الآية ما يدلّ على حدوث « كن » ، وذلك لأنّه تعالى قال : « إذا أردناه » ، و « إذا » يفيد الاستقبال . فدلّ ذلك على أن قول « كن » يوجد منه تعالى في المستقبل ، فلا يكون قديما .
تمسّكوا أيضا بأن قالوا في القرآن أسماء اللّه ، مثل اللّه ، الرّحمن ، الرّحيم ، إلى غيرها ، والاسم هو المسمّى فلو كان القرآن محدثا ، لكان أسماء اللّه محدثة ، فليزم حدوث ذاته تعالى .
والجواب عن ذلك أن نقول : هذا بناء على أصل فاسد غير مسلّم ، وهو أنّ الاسم هو المسمّى ، فلم قلتم ذلك ؟ وما دلالتكم عليه ؟ وكيف يمكن ادّعاء القول بأنّ الاسم هو المسمّى ؟ مع علمنا بأنّ الاسم هو القول الدالّ بالوضع
المنقذ من التقليد — صفحة 218
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص٢١٨