ليس من جنس الحروف والأصوات للّه تعالى ، ويدّعون قدمه ، وسنتكلّم عليهم في ذلك إن شاء اللّه .
أمّا الكلام المركّب من الحروف والأصوات فلا خلاف من جهتهم في حدوثه ، وإنّما المخالف في حدوث الكلام المركّب من الأصوات والحروف الحنابلة وإذا أحسنّا الظنّ بهم قلنا : إنّهم لا يحققون معنى القدم . وكأنّهم يعنون بالقديم ما تقادم وجوده على ما تعرفه العرب ، فيعتقدون تقادم وجود القرآن ، على ما ورد في الأخبار ، من انّه : « كان اللّه ولم يكن معه شيء ثمّ خلق الذّكر » « 1 » أي : أوّل ما خلق اللّه تعالى الكلام .
واعلم أنّا انّما نكلّم في حدوث القرآن هؤلاء الحنابلة ، فنبيّن لهم أنه ليس بقديم وإن كان نزاعهم في ذلك عنادا فامّا الصفاتيّة فانّا لا نكلّمهم في قدم كلامه تعالى ، وذلك لأنّهم يسلّمون حدوث الكلام الذي وصفناه ، وإنّما يدّعون أنّه تبارك وتعالى متكلّم بكلام قائم بذاته ليس هو من جنس الأصوات والحروف . ولو ثبت له ذلك ، فانّا لا ننازعهم في قدمه ، لأنه لا أحد من الأمّة يثبت ذلك المعنى ويذهب إلى أنّه محدث ، بل كلّ من أثبته أثبته قديما وإنّما نكلّمهم في إثباته ، ونبيّن لهم أنّه غير معلوم ، لا ضرورة ولا استدلالا .
وقد تمسّك مثبتوا قدم القرآن بوجوه :
منها : أن قالوا : إنّ اللّه تعالى أخبر عن أنّه إنّما يكون الأشياء بقوله « كن » في قوله تبارك وتعالى :
« إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ »
« 2 » فلو كان « كن » محدثا لكان من فعله على ما تقولونه ، فيكون مكونا فيجب أن يكونه ب « كن » آخر مثله . والكلام في الثاني كالكلام في الأوّل وذلك يؤدّي
هامش
( 1 ) صحيح البخاري ج 4 ص 128 كتاب بدء الخلق ح 2 .
( 2 ) النحل : 40 .