وإذا تقرّر هذا ، فكلام اللّه تعالى إنما هو من جنس الأصوات والحروف .
وذلك لأنّ اللّه تعالى خاطب العرب بلغتهم ، وكذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله إنما كان يخاطبهم بلغتهم وقد كان منهم . فيجب حمل الكلام الوارد في خطاب اللّه تعالى في مثله قوله :
« وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ »
« 1 » ،
« وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً »
« 2 » وفي خطاب الرسول عليه السلام على ما تعرفه العرب في معنى هذه اللفظة ، وقد بيّنا أنّهم يعنون بالكلام ما انتظم من حرفين فصاعدا ، على ما ذكرناه ولا يعرفون غيره .
فإن قيل : كيف يقولون ذلك ؟ وقد يقول أحدهم : « في نفسي كلام » .
قال الشاعر :
إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا
قلنا : هذا مجاز واستعارة ، وإنّما المراد به أنّ في النفس والفؤاد العزم على الكلام أو العلم بكيفيّة نظم الكلام أو الفكر فيها وبيانه : أن كما يقال : « في نفسي كلام » ، كذلك يقال : « في نفسي بناء واد » ، و « في نفسي السفر إلى مكة » ولا يدلّ هذا على أنّ البناء أو السفر يكون في النفس ، وإنّما المراد ما ذكرناه من العزم على السفر أو البناء .
إذا ثبت أن كلام اللّه تعالى من جنس الحروف والأصوات لم يبق شكّ في حدوثه ، وأنّه تعالى فاعله ومحدثه ، أحدثه بحسب مصالح العباد التي يعلمها .
فمن جملة ما تكلّم به : التوراة والإنجيل والقرآن .
وإنّما قلنا : « لا شكّ في حدوث الكلام المنظوم من الأصوات والحروف » ، لأنّ الأصوات مدركة ، فنعلم وجودها إذا كانت موجودة وعدمها إذا كانت
هامش
( 1 ) التوبة : 6 .
( 2 ) النساء : 164 .