« قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ »
« 1 » .
قالوا : فدلّ ذلك على أنّه تعالى لا يشاء الإيمان من جميع العباد . وذلك بخلاف مذهبكم .
والجواب عن ذلك : أنّ المراد بالمشيّة في الآيتين مشيّة الإكراه والإلجاء .
وعلى ذلك أوّلها المفسّرون . قال الكلبيّ في تفسير هذه المشيّة : إنّها مشيّة حتم .
يبيّن ما ذكرناه ما ذكره تبارك وتعالى ، في قوله :
« سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا ، إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ »
« 2 » . حكى مذهب المجبّرة في المشيّة وكذّبهم فيه بقوله تعالى
« وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ »
والخرص هو الكذب ، فدلّ ذلك على أنّه تعالى ما شاء منهم الشرك . وإذا قال ذلك وبيّنه في هذه الآية وقال في الآيتين الأخيرتين أنّه لا يشاء إيمانهم وجب التلفيق بين الآيات ، فدفع « 3 » التّناقض بينهما . ولا يتمّ ذلك إلّا بحمل المشيّة في الآيتين المذكورتين على مشيّة الإكراه .
فإن قالوا : إنّما كذّبهم ، لأنّهم قالوا ما قالوه على طريق الاستهزاء .
قلنا : ليس في الآية ما يدل على أنّ هذا القول صدر عنهم على طريق الاستهزاء ، ثمّ ومن يقول حقّا على طريق الاستهزاء ، فانّه لا يكذب في ذلك القول ، بل يذمّ على انّه قال ذلك على طريق الهزء .
ومنها قولهم : لو أراد تعالى من الكافر الإيمان ، ومن العاصي الطاعة - ومعلوم أنّ إبليس أراد كفر الكافر ومعصية العاصي - لكان يصحّ القول ويحسن بأنّه ما كان ما شاء اللّه وكان ما شاء إبليس ، وعلى العكس ، بأن يقال : ما شاء
هامش
( 1 ) الانعام : 149 .
( 2 ) الانعام : 148 .
( 3 ) م : ورفع .