المنّة الاختلاف إلى المساجد وترك الاختلاف إلى البيع والكنائس ، ثمّ لا يقع منه ما أراده السلطان ، بل يقع خلافه ، ولم يدلّ على عجز السلطان من حيث لم يرد السلطان قهره على ذلك بل أراد أن يفعله باختياره . كذلك القول في مسألتنا ، فانّ اللّه تعالى ما أراد الطاعة من العباد قهرا وجبرا ، وإنّما أراد أن يطيعوه ويفعلوا الخير باختياره ، ليستحقّوا عليها ثوابا ، فإذا لم يقع لم يلحقه تعالى عجز ونقص .
يبيّن ما ذكرناه - من الفرق بين إرادة الشيء من الغير على سبيل الإكراه ، وبين إرادته منه على سبيل الاختيار في الدلالة على العجز والضعف - : أنّ الملك لو أراد ان ينهزم عدوّه الذي يحاربه ، فلم يوجد ذلك لدلّ على عجزه ، لأنّه يريد إكراهه على الهزيمة فإذا لم يقع انكشف أنّه لم يقدر على إكراهه على الهزيمة فاتضح بما ذكرناه الفرق بين الإرادتين .
ومنها أن قالوا : قد علم اللّه تعالى من حال الكافر أنّه لا يؤمن ، ومن العاصي أنّه لا يطيع ، والحكيم لا يريد ما يعلم أنّه لا يكون .
والجواب عن ذلك أن نقول : هذا أصل غير مسلّم لم قلتم : إنّ الحكيم لا يريد ما يعلم أنّه لا يكون ؟ أليس لو اخبر نبي صادق أحدنا بأنّ زيدا يشتمه ويذمه ويسيء القول فيه ، ولا يمدحه ولا يقول فيه الجميل ؟ فانّه لا يريد أن يشتمه زيد ولا أن يسيء القول فيه ؟ ويريد أن يمدحه ويقول فيه الجميل ولم يكن ذلك منه سفها وخلاف الحكمة ؟ وكذلك فانّ النبيّ صلى اللّه عليه وآله قد أراد الإيمان من جميع الكفّار مع إعلام اللّه تعالى له بانّ قوما منهم لا يؤمنون ولم يكن ذلك مخالفة الحكمة .
ومنها : تمسّكهم بالسمع من قوله تعالى :
« وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ »
« 1 » وقوله تعالى
هامش
( 1 ) يونس : 99 .