القول في أنّه تعالى لا يريد شيئا من القبائح والفواحش
ذهب جماهير أهل العدل إلى أنّه تعالى يريد شيئا من القبائح والفواحش والمعاصي ولم يحبّها ولم يرض بها ، بل كرهها ، كما لا يفعلها . وذهبت المجبّرة إلى أنّه تعالى أراد كلّ ما وجد في العالم من الفواحش والمعاصي ، ولم يرد ما لم يوجد من الطاعات التي أمر المكلّفين بها . وذهبت الأشعريّة إلى أنّه تبارك وتعالى أحبّ وجود الفساد ورضي بوجود الكفر .
والدّليل على أنّه تعالى لا يريد شيئا من القبائح ، أنّ الإرادة إن كان المرجع بها إلى الداعي ، على ما ذكرناه في موضعه ، فلا شكّ في أنّه لا داعي له إلى شيء من القبائح ، وكذا لا داعي له إلى حثّ للعبد وبعثه على القبيح بالعقل أو الشّرع ، فصحّ أنّه لا يريد شيئا من القبائح . وإن كان المرجع بالإرادة إلى أمر زائد على الداعي : فإن كان تعالى مريدا بإرادة حادثة لا في محلّ - على ما يقوله أصحابنا - لم يجز أيضا أن يريد القبيح ، لأنّه لو اراده لأراده بإرادة حادثة يفعلها ، وإرادة القبيح قبيحة ، فيكون فاعلا للقبيح وكان يلزم أيضا أن يكون على صفة نقص ، إذ المريد للقبيح منقوص ، ألا ترى أنّ العقلاء ، يستحسنون ذمّ من أراد الفواحش والقبائح ، كقتل الأنبياء والصالحين وانتهاك حرمهم ، ويستنقصون من أراد ذلك ، ولا يستنقصون من اشتهى قبيحا ولم يفعله ولم يعزم عليه . وهذا كما يدلّ على أنّه لا يجوز أن يريد القبيح بإرادة محدثة ، يدلّ على أنّه لا يجوز أنّ