لا يجوز أن يفعلا القبيح يستقرّ وليتمّ العلم بصحّة السمع ، لأنّ السمع إمّا أن يصدر من هذا أو ذاك . فإذا كان ذلك صحّ الاستدلال بالسمع في هذه المسألة وقد ورد السمع به في قوله
« قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ »
« 1 » وفي قوله :
« إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ »
« 2 » وقوله :
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ »
« 3 » وقوله :
« لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا »
« 4 » إلى غيرها من الآيات المتضمنة للتوحيد .
وقد استدلّ المشايخ بدلالة التمانع على أنّه تعالى واحد ، ثمّ اختلفوا ، فمنهم من بناه على وجوب تغاير مقدورهما . ومنهم من قال بأنّه لا حاجة إلى تقدير تغاير مقدورهما ، بل يكفي بيان صحّة اختلافهما في الداعي في هذه الدلالة .
وحرروا الدلالة بأن قالوا : لو كان مع اللّه إله آخر لصحّ وقوع التمانع بينهما بأن يحاول أحدهما تحريك جسم وجذبه إلى جهة بالاعتمادات الموجبة لذلك ، ويحاول الآخر تحريكه إلى جهة أخرى بالاعتمادات الموجبة للتحريك إلى تلك الجهة .
وذلك لأنّ من حقّ كلّ قادرين صحّة وقوع التمانع بينهما ، ثمّ لو تمانعا على هذا الوجه لم يخل الحال من أحد أمور ثلاثة : إمّا أن يحصل مراداهما جميعا ، وهو محال لأنّ فيه اجتماع الضدّين ، أو لا يحصل مراداهما ، وهو أيضا محال لأنّه يكون مؤدّيا إلى كونهما ممنوعين متناهي القدرة ، وذلك يبطل كونهما قادرين لا نفسهما ، أو يحصل مراد أحدهما دون الآخر ، وذكروا على هذا القسم وجهين ، أحدهما أنّ هذا القسم أيضا محال ، إذ هو وقوع مراد أحدهما دون الآخر مع اقتدارهما لأنفسهما ، ومع دفع الأولوية . والوجه الآخر أنّ هذا القسم فيه حصول مقصودنا . وهو أنّ من لم يقع مراده يكون ممنوعا متناهي القدرة غير قادر لنفسه ، فلا يكون إلها ، وإنّما الإله من وقع مقدوره وهو المقصود .
وقد سألوا أنفسهم على هذه الدلالة وقالوا : لم لا يجوز أن يقع مراداهما
هامش
( 1 ) الاخلاص : 1 .
( 2 ) النساء : 171 .
( 3 ) الشورى : 11 .
( 4 ) الأنبياء : 22 .