ينقلب عليكم في إثباتكم الشعاع . وذلك لأنّكم تقولون بأنّ أحدنا إنّما يرى المرئي باعتبار أن ينفصل من عينه شعاع ويتصل بالمرئيّ أو محلّه . فجوّزوا أن يسكّن اللّه تعالى هذا الشعاع ، ولا ينبعث من العين ، أو وإن انبعث فانّه يقلبه في الجوّ عن سمت المرئيّ أو يوصله ببعض المرئيّ دون بعض ، فلا يرى المرئي أو لا يرى بعضه .
قلنا : لا ينقلب شيء من هذه الإلزامات علينا في إثبات الشعاع . وذلك لأنّا إنّما علمنا وجوب رؤيتنا لما يحضرنا من المدركات مع صحّة أبصارنا ، والحاسّة إذا لم ينبعث منها الشعاع لم تكن صحيحة ، بل تكون مئونة وبمنزلة العين الذي يزل إليها ماء .
وأمّا قولكم : « جوّزوا أن ينبعث الشعاع من العين ثمّ يقلبه تبارك وتعالى في الجوّ عن سمت المرئيّ » ، فالجواب عنه أن نقول : الموضع الذي فرضنا انقلاب الشعاع منه إمّا أن يكون هناك ضوء آخر وشعاع آخر أو يكون هناك ظلمة . فإن كان فيها ظلمة وجب أن نرى الظلمة . وإذا جوّزنا أن يكون في الظلمة شيء لا نراه لا يكون ذلك جهالة ، وإن كان هناك ضوء آخر فيصير مع شعاعنا كشعاع واحد . فإن كان طرف ذلك الشعاع متصلا بالمرئيّ أو محلّه فكان شعاعنا يتصل به ، فيلزم أن نراه . فتحقق أنّه لا يلزم منا شيء من الجهالات التي ذكرها الخصم .
فإن قيل : إذا كنتم تعتبرون في رؤيتكم المرئيّات أن يتّصل شعاعكم بالمرئي أو محلّه ، فهلّا جوّزتم أن يكون تعالى مرئيّا ، وإن استحال رؤيتكم له لاستحالة هذا الشرط في حقّه .
قلنا : ذهب جماعة من محققي الأصحاب إلى أنّ اتصال الشعاع بالمرئيّ أو محلّه ليس شرطا في رؤية المرئيّ ، وإنّما الشرط حصول قاعدة الشعاع مع المرئيّ بحيث لا يكون بينهما ساتر ولامكان يسع لساتر . فعلى هذا ، هذا الشرط محقّق
المنقذ من التقليد — صفحة 120
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص١٢٠