كان حاصلا من طريق الإدراك . والذي جوّزناه في حقّ الأعمى لو حصل فيه لم يكن حاصلا من طريق الإدراك ، فلهذا لم يتفرّع على ذلك الأصل ، وإلّا يمتنع في أحد العلمين أن يكون فرعا على الآخر إذا كان من طريق مخصوص ، ومهما حصل لا من ذلك الطريق لم يكن فرعا عليه . وبيانه أنّ العلم بالصانع تعالى إذا كان من طريق الاستدلال يتفرّع على العلم بحدوث أفعاله ، فلا يحصل من دون العلم بحدوث أفعاله . فأمّا لو خلق اللّه فينا ، كما في أهل الآخرة ، لما كان فرعا على العلم بحدوث أفعاله .
فإن قيل : ألستم تجوّزون في مقدوره تعالى أن يقلب ماء دجلة والفرات زيبقا أو ذهبا أو دما عبيطا ؟ أو تجوّزون أن يقلب الجبال ذهبا أو فضّة ؟ ومع ذلك قطعتم على أنّ شيئا من ذلك ما وقع ؟ فلم لا يجوز أن يكون كذلك في مسألتنا ؟ حتّى يجوز أن يكون بحضرتنا في بعض الأوقات مدرك جليّ لا يخلق اللّه وتعالى فينا الإدراك المتعلّق به وإن كنّا الآن عالمين بأنّه لم يحضرنا مدرك سوى ما أدركناه .
قلنا : علمنا بانتفاء انقلاب ماء دجلة والفرات ذهبا أو دما وما أشبه ذلك ممّا ذكرته لم يبتن على العلم بأنّ ذلك غير مقدور ، حتّى إذا قلنا إنّه مقدور للّه تعالى يلزمنا تجويز أن يكون ذلك حاصلا ، بل إنما علم انتفاء هذه الأمور من كان حاضرا عند دجلة والفرات بالعيان والمشاهدة . ومن غاب منهما فمنهم من قال بأنّ هذا خرق العادة فلا يجوز في غير زمان الأنبياء ، ومن جوّز خرق العادة في غير زمان الأنبياء - وهو الصحيح - فأنّما علم انتفاء هذه الأمور من حيث أنّه لو وقع شيء من ذلك لكان النقل به مستفيضا شائعا ذائعا ، لأنّه كان يكون كأعجب ما يتّفق ، فكانت الدواعي موفّرة إلى نقلها . فلمّا لم ينقل ذلك علم أنّه لم يكن شيء من ذلك . وليس كذلك العلم بانتفاء ما لا ندركه من المدركات الجليّة ، لأنا قد علمنا أنّا إنّما نعلم ذلك من طريق الإدراك ، وأنّه مبنيّ على
المنقذ من التقليد — صفحة 117
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص١١٧