العلم بأنّه لو كان لوجب أن ندركه ، فمن زعم انّه لا يعلم هذا الأصل ، يلزمه أن لا يعلم الفرع المبنيّ عليه .
فإن قيل : إنّ اللّه تعالى أجرى العادة بخلق الإدراك المتعلّق بما يحضرنا من المدركات الجليّة ، فلا يجوز خلافه .
قلنا : نحن نعلم ضرورة وجوب إدراكنا لما يحضرنا من المدركات الجليّة التي تحضرنا مع ارتفاع الموانع ، كما نعلم وجوب انتفاء العلم عند انتفاء الحياة ووجوب انتفاء السواد عند طروّ البياض ، وهذا يؤدّي إلى ارتفاع الفرق بين الأمور الواجبة وبين الأمور المعتادة .
ثمّ نقول : ما يكون من باب العادة لا بدّ من جواز دخول الخلف فيها ليحصل الفرق بينها وبين الأمور الواجبة . فلو كان إدراكنا لما يحضرنا من المدركات الجليّة مع ارتفاع الموانع ممّا طريقه العادة لتصوّر دخول الخلف فيها ، وكان يلزم ما ذكرناه من تجويز حصول المدرك عندنا وإن لم ندركه على ما ذكرناه بديّا وأن ندرك البقّة التي تكون بالصين ولا ندرك الجبل الذي يكون بحضرتنا بأن يخلق اللّه تعالى فينا الإدراك المتعلّق ببقّة الصين ولا يخلق لنا الإدراك المتعلّق بالجبل الذي عندنا .
فإن قيل : أليس اللّه تعالى أجرى العادة بأن لا يخلق ولدا لا من ذكر وأنثى ولا يختلف هذا في زماننا هذا ، وكذلك أجرى العادة بأنّ لا يخلق جنين البشر من غير البشر ، وكذا جنين البهيمة لا يخلق إلّا من البهيمة ، وهذا شيء لا يختلف قطّ ولا يدخله الخلف . فهلّا جاز أن يكون كذلك في مسألتنا .
قلنا : إن لا يخلق نفي فلا يكون عادة ، لأنّ العادة فائدتها العود إلى مثل ما فعله الفاعل ، والمنفيّ لا يتحقّق هذا فيه ، فإذن ما يمكن صرفه إلى العادة في المثال الذي ذكره السائل هو خلق الولد من الذكر والأنثى ، وخلق جنين البشر من البشر ، وكذا خلق جنين كلّ حيوان من جنسه ، وهذا ممّا قد يدخله
المنقذ من التقليد — صفحة 118
مساهمون: الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
ص١١٨