تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الملخص في أصول الدين — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
قديم ، وإن لم يتقدّم المعاني المحدثة . قلنا : خلاف ابن الراوندي في التحقيق يرجع إلى أحد الدعاوى المتقدّمة ؛ « 1 » لأنّه يزعم أنّ الجسم لم يزل يقارن حادثا قبل حادث بلا أوّل ، وهذا قول في المعنى بتقدّم المعاني . ألا ترى أنّه قد صرّح بأنّ فيها ما وجوده كوجود الجسم القديم عنده ، وما وجوده كوجود القديم لا بدّ أن يكون قديما ، ولا اعتبار بإطلاقه بأنّها محدثة ؛ لأنّه قد سلب معنى ما أعطاه بالقول والاعتبار بالمعاني دون العبارات . فإن قيل : إذا جاز أن يقارن الجسم العرض فلا يكون عرضا ، وإلّا جاز أن يقارن المحدث ولا يكون محدثا ؟ قلنا : هذا سؤال من لم يتحقّق معنى كلامنا ؛ لأنّا لم نوجب أن يكون الجسم محدثا من حيث ما يتقدّم الحوادث ؛ لأنّ من شأن كلّ شيء لم يتقدّم غيره أن يكون بمثل صفته ، فيلزمنا هذا الكلام ، وإنّما أوجبنا ذلك ، لأنّ وصفنا القديم بأنّه قديم [ أي ] نعتقد أنّه وجد بعد عدم ، والذاتين إذا لم يتقدّم إحداهما الأخرى فمحال أن يكون إحداهما قديمة والأخرى محدثة ، بل لا بدّ من كونهما معا إمّا قديمتين أو محدثتين ، وليس هذا سبيل ما سألتم عنه ؛ لأنّ واصف العرض بأنّه عرض ليس بمفيد [ له وصفه با ] لتأخّر ، كما ذكرناه في وصف القديم والمحدث ، وإنّما يفيد من حمل مخصوص ، والشيء إذا قارن غيره [ في الحدوث ] فإنّه يجب أن يكون من قبيله ولا على سائر صفاته . ألا ترى أنّا إذا فرضنا
هامش
- وكان معتزليّا في بداية أمره ، ثمّ انقلب عليهم ، وقد اتّهمه جماعة من أصحاب السير والتراجم ووصفوه بأنّه « الفيلسوف المجاهر بالإلحاد » و « أحد مشاهير الزنادقة » و « المشهور بالإلحاد » و « أنّه معتمد الملاحدة والزندقة » و « أنّه أحد الكفرة ولا يحسب من الكرام البررة » وغيرها من النعوت والصفات المذمومة ، والظاهر أنّه كان غاليا في اعتزاله ، مجاهرا بآرائه المطابقة أو الموافقة لأدلّته العقليّة الفلسفيّة المخالفة لمذهب الأشاعرة وأهل الحديث والحشوية ، فناصبوه العداء واتّهموه بكلّ رذيلة وموبقة ونسبوا إليه كلّ كفر وزندقة حتّى قال في حقّه ابن الجوزي : « أبو الحسين الراوندي ، الملحد الزنديق ، وإنّما ذكرته ليعرف قدر كفره فإنّه معتمد الملاحدة والزنادقة ، وكنت أسمع عنه العظائم حتّى رأيت ما لم يخطر على قلب أن يقوله عاقل » ونقل عن الجبّائي أنّه وضع كتابا في قدم العالم ونفى الصانع وتصحيح مذهب الدهر والردّ على مذهب أهل التوحيد ، وكتابا في الطعن على النبي صلّى اللّه عليه وآله تناقل مترجموه أنّ له نحو 114 كتابا ، وفي المؤرّخين من يجزم بأنّه عاش 36 سنة ، ومن فرق المعتزلة « الراوندية » نسبة إليه ، مات برحبة ابن مالك بين الرقّة وبغداد ، وقيل : صلبه أحد السلاطين ببغداد . ( 1 ) . في الأصل : المتقدّم .