الكون في هذه الصفة ومحال أن يحتاج إلى الكون والكون معا في الصفة الواحدة ؛ لأنّ الجنسين المختلفين لا يوجبان صفة واحدة من قبل أنّ اختلاف جنسيهما يقتضي اختلاف ما يجب عنهما ، إذا كان الإيجاب يرجع إلى ما عليه والذات .
وأيضا : فكان يجب أن يثبت من الأكوان بعدد الجهات ، كما يجب مثله في الأكوان وقد علمنا اختلاف ذلك ؛ / 4 / لأنّ الأكوان منحصرة [ و ] الأجناس والجهات لا انحصار لها .
وأيضا : فيجب على هذا القول استحالة تنقله في الجهات وهو ملوّن بلون واحد ، واستحالة تعاقب الأكوان المختلفة عليه وهو في جهة واحدة ، وفي جواز ذلك ، الدليل على أنّه لا يحتاج إلى الكون في كونه في الجهة .
فأمّا كونه محتملا للأعراض ، فإن أريد به اختصاصه بالصفة التي معها يحتمل ، فتلك الصفة هي التحيّز ، وقد دلّلنا على أنّه لا يحتاج إلى الكون فيها .
وإن أريد أنّ الكون يجب وجوده لاحتماله له ومتحيّز وجوده فيه ، فذلك يوجب وجود ما لا نهاية له من الجنس الواحد ؛ لاحتماله لكلّ قدر زائد « 1 » أشير إليه ، ولأنّ السواد أيضا لا يكون بالوجود فيه أولى من البياض ؛ لأنّ احتماله لهما على سواء ، فأمّا كونه مدركا فإنّما يدرك لتحيّزه ، وقد بيّنّا أنّه لا يحتاج إلى الكون في ذلك ؛ ولأن يتحقّق كونه مدركا يرجع إلى غيره لا إليه ، فكيف يعلّله لعلّة يرجع إليه ؟
على أنّ إدراك الشيء يرجع إلى ما هو عليه في ذاته ، ويدرك على أخصّ أوصافه ، فأيّ تأثير للكون في إدراك الجوهر ، وهو مستند إلى ما ذكرناه !
وبعد ، فقد علمنا أنّ الجوهر يدرك لمسا كما يدرك بالبصر ، وإن لم يتعلّق إدراكه لمسا بالكون ، فكيف يكون الكون مقتضيا لإدراكه ؟
فأمّا قولهم إنّه لا يدركه إلّا على هيئة ففيه وقع النزاع ، وهو نفس الدعوى ؛ لأنّا قد ندرك ما لا هيئة له بأيّ « 2 » نحو ؛ ولأنّا قد ندرك الجسم بحاسّة اللمس على غير هيئته ، على أنّ قولهم : « إنّه لا يخلو من الكون لأنّه ذو هيئة » تعليل الشيء بنفسه ؛ لأنّ معنى الهيئة معنى الكون ، وليس ذلك يجري مجرى قولنا : « إنّه لا يخلو من الكون ؛ لاختصاصه ببعض
هامش
( 1 ) . في الأصل : زائدا .
( 2 ) . كلمات غير مقروءة في الأصل .