وخرج عن الوجود ، خرج أيضا عن التحيّز ، لانتفاء الوجود الذي تحتاج إليه كلّ واحدة من الصفتين .
قلنا : الذات إذا كانت بهاتين الصفتين ، فهي من حيث كانت متحيّزة يصحّ بقائها ويجب لها استمرار الوجود إلى أن يطرأ ما ينافي هذه الصفة ، وكذلك هي من حيث كانت سوادا ، فإذا طرأ « 1 » ما ينافي السواد ويختصّ مضادّته ، فقد جعل في هذه الذات وجهان : وجه يقتضي انتفائها والآخر يقتضي استمرار وجودها ، فيجب أن يكون موجودة معدومة على ما ألزمنا ؛ لأنّها ليس هي بأن ينتفي لأجل الوجه الموجب للانتفاء « 2 » بأولى من أن يثبت ويستمرّ لها الوجود ؛ لأجل الوجه الذي يقتضي استمرار وجودها .
فإن قيل : ألا قلتم إنّها بالانتفاء أولى ، لأنّ الوجه المقتضي للانتفاء طاري وما يقتضي الاستمرار باق ، والطاري أولى بالتأثير من الباقي ، كما تقولون في انتفاء الضدّ لضدّه ، إنّ الطاري بالتأثير أولى من الباقي ؟
قلنا : إنّما نقول بأنّ الطاري أولى بالتأثير من الباقي في الموضع الذي يقابل فيه صفة كلّ واحد من الضدّين لصفة الآخر ويترجّح حكم الطاري ، فيكون بالوجود أحقّ لطروّه ، وهذا بخلاف ما تكلّمنا عليه ؛ لأنّ الذات إذا كانت متحيّزة سوادا ففيها وجهان ، كلّ واحد منهما يقتضي استمرار وجودها ، والضدّ الطاري إنّما يقابل أحد هاتين الصفتين دون الأخرى ، [ و ] إنّما كان يجب أن يترجّح وجوده لو لم يكن في هذه الذات ممّا يقتضي استمرار وجودها ، إلّا هذا الوجه الواحد الذي قابلته بصفته ويترجّح عليه بطروّه ، ففارق ذلك ما يقوله في الطاري .
فإن قيل : ما أنكرتم على من منع من كون الذات الواحدة جوهرا سوادا ، من أجل أنّه يؤدّي إلى ما ذكرتموه من وجودها وانتفائها في حالة واحدة ؛ لأنّ ما يؤدّي إلى المحال يجب الامتناع منه ؟
قلنا : ليس يجوز أن نمنع من القول ؛ لأجل ما يؤدّي إليه من الفاسد ، إلى التّمسك بالأصل المؤدّي إلى ذلك القول ، بل الواجب إذا امتنعنا من الفاسد أن نمتنع ممّا يؤدّي إليه
هامش
( 1 ) . في الأصل : ظنّ .
( 2 ) . في الأصل : الانتفاء .