على أنّه لم نسلّم أنّه متحيّز ، لعدم وجود صفة « 1 » لنا ما نريده لمن استحالت وجوده من غير أن يكون متحيّزا ، لأنّه لا يدلّ « 2 » بعدم ذلك المعنى ، فيجب أن يكون الجوهر مع وجوده أبدا متحيّزا ، فهذا الذي نريده ، ولا يجوز أن يكون متحيّزا لوجود معنى ، لأنّ ذلك المعنى لا يوجب كونه بهذه الصفة إلّا بأن يختصّه غاية الاختصاص ، فلا يخلو ذلك الاختصاص بينهما من أن يكون بالحلول أو بالمجاورة ، وكلا الأمرين يوجب تقدم التحيّز ، لأنّ ما لا حلّ « 3 » غيره لا يكون إلّا متحيّزا ، وكذلك ما جاوره ، فكيف يجوز أن يكون التحيّز موجبا عن أمر يجب تقدّم التحيّز له !
وأيضا : فإنّه لو كان متحيّزا لمعنى لكان القول في ذلك المعنى كالقول فيه ، لأنّه لا بدّ من استحقاق ذلك المعنى صفة تقتضي إيجابه لتحيّز الجوهر ، فلا يخلو من أن يكون استحقّها لمعنى آخر ، فيؤدّي ذلك إلى إثبات معان لا نهاية لها وإن كان استحقّها لنفسه ، فيجب أن يكون التحيّز أيضا يستحقّها على هذا الوجه ، لأنّ طريقة / 2 / الاستحقاق واحدة ، وهذا الوجه يبطل أن يكون الجوهر متحيّزا لمعنى ، سواء كان ذلك المعنى حالا فيه أو في غيرها وموجودة لا في محلّ .
وأيضا : فلو كان متحيّزا لمعنى لوجب أن يكون السواد سوادا لمعنى ، لأنّ كيفيّة استحقاق الصفتين واحدة ، وهذا يؤدّي إلى جواز كون الذات الواحدة جوهرا « 4 » سوادا ، بأن يعقل المعنيان اللّذان بهما يكون على هاتين الصفتين ؛ لأنّه لا تنافي بينهما ولا ما يجري مجرى التنافي ، وسنبيّن بعد هذا الموضع بطلان ذلك ، فإن كانا واحدة لا يجوز أن يكون بهاتين الصفتين .
وأيضا : لو كان متحيّزا لمعنى لكان يمتنع أن يتزايد المعنى فيتزايد حكمه ، وهذا يقتضي أن يتزايد حجم الجوهر وحيثيّته من غير انضمام جواهر إليه .
فأمّا ما يدل على أنّه لا يكون متحيّزا بالفاعل ، أنّه لو كان كذلك بالفاعل لجاز أن يجعله الفاعل متحيّزا سوادا ؛ لأنّ صفة التصرّف تابعة كما يكون بالفاعل ؛ ولأنّه إن قيل إنّه متى وجد كان متحيّزا ولم يكن خلاف ذلك ، كان القائل به مسلّما للمعنى مخالفا في
هامش
( 1 ) . بياض في الأصل ، والجملة المضافة يقتضيها السياق .
( 2 ) . في الأصل : اوّل .
( 3 ) . في الأصل : حد .
( 4 ) . في الأصل : جوهر .