قلنا : من خالف في قدم الكون لا يمكنه أن يثبته محتاجا إلّا إلى محلّه فقط ؛ لأنّه لا يحتاج إلى أكثر من ذلك ، إذا كان محلّه موجودا غير منتف ، فيجب استمرار وجوده إلّا بضدّ يطرأ عليه ؛ لأنّ انتفائه بما يجري مجرى الضدّ إنّما يكون بأن ينتفي محلّه فينتفي لأجله ، وإذا كان محلّه قديما فوجوده مستمرّ لا يخرج عنه إلّا بضدّ .
ومما يدلّ أيضا على أنّ القديم لا ضدّ ، له ، إنّ من حقّ كلّ ضدّين أن يكون لكلّ واحد منهما صفة يرجع إلى ذاته ، بالعكس من صفة ضدّه ، وهذا أخصّ صفات التضادّ ، فلو كان للقديم ضدّ لوجب ذلك فيه ، وهذا يقتضي أن يكون ذلك الضدّ معه وما هو لما عليه في ذاته حتى يكون بعكس صفة القديم تعالى ، وهذا حال . . . « 1 » معدوما ؛ لأنّه « 2 » فضلا عن أن يقال إنّه معدوم لما هو عليه في ذاته ؛ ولأنّه يجب . . . « 3 » الضدّ المعدوم ضدّه ، وإن لم يخرج عن صفة العدم ؛ لأنّ خروجه عن صفة العدم يقتضي انتفاء « 4 » الصفة التي تضاد القديم بكونه عليها ، وفي علمنا باستحالة نفي المعدوم لغيره دلالة على [ صحّة ] هذا القول .
الكلام على الدعوى الثالثة : وأمّا الذي يدلّ على أنّ الأجسام والجواهر لا تخلو من المعاني التي بها لا يكون في الجهات ، أنّها لو خلت منها لخلت من أحكامها ، وفي علمنا باستحالة خلوّها من الأحكام دليل على استحالة خلوّها من الذوات لأنّ ما أوجب أحد الأمرين موجب الآخر ؛ لتعلّق كلّ واحد منهما بصاحبه .
فإن قيل : بيّنوا أنّ الجسم والجوهر لا يخلوا « 5 » في حال وجوده من أحكام هذه المعاني ، ليتمّ ما قصدتموه ؟
قلت : لو جاز وجود الجسم أو الجوهر وهو غير كائن في جهة من الجهات لم يجز ذلك عليه إلّا وهو متحيّز ؛ لأنّ تحيّزه يوجب أن يكون في جهة ما ، ولو خرج عن تحيّزه وهو موجود لخرج عن كونه جوهرا ؛ لأنّ كونه جوهرا يوجب تحيّزه بشرط الوجود ، [ و ] في خروجه من صفته الذاتية قلب جنسه ، فوجب بما ذكرناه أن يكون وجود الجوهر خاليا من الأكوان ، مؤدّ بالترتيب الذي رتّبناه إلى قلب جنسه .
هامش
( 1 ) . بياض في الأصل بمقدار عدّة كلمات .
( 2 ) . في الأصل : لاله .
( 3 ) . بياض في الأصل بمقدار عدّة كلمات .
( 4 ) . بياض في الأصل والكلمة المضافة تقتضيها العبارة .
( 5 ) . في الأصل : لا يخلو .