تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الملخص في أصول الدين — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
الموجب إذا كان حاصلا مستمرّا في كلّ حال ، فلا بدّ أن يكون ما اقتضاه أو أوجبه حاصلا في كلّ حال ، وإذا كان المرجع في صفة النفس إلى الذات التي لا تخرج من كونه نفسا وذاتا في كلّ حال ، فواجب أن لا يخرج عن الصفة التي تستند إلى النفس في كلّ حال . يبيّن ما ذكرناه أنّ صفات العلل متى كان موجبها حاصلا فلا بدّ من ثبوتها وأنّ ما ينتفي [ يكون ] بانتفاء موجبها ، فكذلك القول في صفات النفس . ألا ترى أنّ السّواد لمّا كان سوادا لنفسه ، لم يخرج عن كونه سوادا في حال عدم ولا وجود ؟ وإن « 1 » خرج عن كونه موجودا ، إلّا أنّه استحقّ كونه سوادا لنفسه ولم يستحقّ كونه موجودا لنفسه ، والقديم يستحقّ كونه موجودا على الوجه الذي استحقّ السواد كونه سوادا . فإن قيل : أليس القديم عندكم مدركا لنفسه وإن أخرج كونه مدركا وجاز وجوده وإن لم يكن مدركا ، فكيف قضيتم بأنّ صفات النفس لا يخرج عنها الموصوف ؟ قلنا : أمّا أبو هاشم « 2 » فلا يلزمه هذا الكلام ؛ لأنّه لا يثبت القديم مدركا لنفسه ، بل يقول إنّه مدرك لا لنفسه ولا لمعنى وإن كان حيّا يقتضي كونه مدركا متى وجد المدرك « 3 » . ومن قال من أصحابه : إنّ القديم مدرك لنفسه ، يجيب عن هذا السؤال بأن يقول : إنّ صفات النفس إنّما تجب إذا صحّت ومتى خرجت عن الصحّة لم تجب ، بل استحالت « 4 » ، فيكون القديم تعالى مدركا وإن كان النفس ، فهو متى صحّ وجب ؛ لأنّ المدرك إذا كان موجودا وصحّ كونه مدركا له وجبت الصفة له ومتى لم يكن موجودا لم تجب الصفة ؛ لأنّ المعدوم يستحيل أن يكون مدركا . وإذا ثبت ما ذكرناه وكان وجود القديم صحيحا في كلّ حال على وجه معقول يقتضي
هامش
( 1 ) . في الأصل : فإن . ( 2 ) . هو أبو هاشم عبد السّلام بن أبي علي محمّد الجبّائي ( 321 - 277 ه ) من رؤساء المعتزلة ومنظّريها البصريين ، ولد بالبصرة ودرس بها ثمّ هاجر سنة 317 ه إلى بغداد فسكنها إلى حين وفاته . أخذ علم النحو عن أبي العباس المبرّد وعلم الكلام عن أبيه ، تتلمذ عليه جماعة كبيرة من أعيان المعتزلة مثل : أبو علي بن خلّاد ، أبو عبد اللّه الحسين بن علي البصري ، وأبو إسحاق العياشي ، وأبو القاسم السيرافي ، وأبو الحسين الأزق ، وأبو محمّد العبدكي وآخرون ، وقد انتشرت آرائه حتى كانت لها السيادة في مذهب الاعتزال خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين . وله تأليفات ورسائل ورد ذكرهما في كتب التراجم . ( 3 ) . هذا الرأي يندرج في مسألة الأحوال الداخلة ضمن صفات اللّه تعالى والتي أبدعها أبو هاشم . راجع التعليقة رقم ( 1 ) صفحة 45 . ( 4 ) . في الأصل : استحالة .