طريقه الاستدلال ، وإنّما الذي نعلم باضطرار في الذات أنّها لا تخلو من أن تكون على الصفة أو على نفيها وسلبها ، فلو لا أنّ العدم إنّما هو سبب الوجود فقط ، لم نعلم باضطرار استحالة خلوّ الذات من الوجود أو العدم .
وممّا يدلّ أيضا على ذلك : إنّ إثبات حال للذات بكونها معدومة ليس ممّن يعرف باضطرار ، ولا دليل على إثباته ، فيجب نفيه ؛ لأنّ إثبات ما لا طريق إليه يؤدّي إلى الجهالات ، وكيف يصحّ إثبات حال لا فرق في الأحكام المعقولة بين إثباتها ونفيها ، من حيث كان كلّ حكم للمعدوم أسند إلى كونه على حال يمكن أن يسند إلى انتفاء الوجود عنه . ألا ترى أنّ استحالة الأحكام التي كانت عليه جائزة مع الوجود .
كما يمكن أن يقال : إنّ المؤثّر فيها حصول حالة له في العدم يمكن أن يقال : إنّ المؤثّر فيها خروجه من الوجود .
وليس لأحد أن يجعل كون المعدوم مقدورا ، وهذا ممّا يختصّ العدم مقتضيا بحال هو عليها .
وذلك أنّ فائدة قولنا في الذات : أنّها مقدورة ، أنّ القادر عليها يصحّ أن يوجدها ويحصل لها هذه الحالة المعقولة ، وهذا القدر لا يقتضي ثبوت حصوله حالة للمعدوم يضادّ الوجود ؛ لأنّ صحّة حصول الصفة للذات لا يقتضي ثبوت ما يضادّها .
دليل آخر : ويدلّ على ذلك أنّ الأعدام لو تعلّقت بها القدرة لجرى مجرى الأحداث ، وكان يجب في كلّ ذات تجدّد عدمها بالفاعل ، كما وجب مثل ذلك فيما تجدّد وجوده ، وهذا يوجب أن يكون عدم كلّ ما لا يبقى في الحال الثانية متعلّقا بالفاعل ، كالصوت وما أشبهه ، وذلك باطل ؛ لأنّ عدم ما لا يبقى واجب ، وما يتعلّق بالفاعل لا يكون إلّا ما حصوله وألّا يحصل على سواء ، وكيف يتعلّق ذلك بالفاعل وهو لا يقف على اختياره ولا يتعلّق بدواعيه ؟
وليس لأحد أن يخرج عدم ما لا يبقى من التعلّق بالفاعل لوجوبه « 1 » ، ويجريه مجرى وجود القديم الذي لمّا وجب لم يفتقر إلى فاعل .
هامش
( 1 ) . في الأصل : بوجوبه .