ومعنى هذه الجملة ، أنّه لا سبيل إلى إثبات القديم تعالى بصفاته ، إلّا بعد أن نثبت تعلّق تصرّفنا به « 1 » ، وأنّ حدوثه من جهته ، وأنّه إنّما احتاج إلينا في حدوثه ليبني على ذلك حاجة كلّ محدث إلى محدث ، فلا يصحّ ما ذكرناه أن يعترض على حاجة التصرّف في حدوثه إلينا بما يتضمّن إثبات القديم ، الذي لولا علمنا بالحكم الذي هو حاجة التصرّف إلينا ، وعلّته التي تقدّم بيانها لها لم يثبت القديم ، ولا كان إلى إثباته بصفاته طريق .
وأجبنا عن سؤال من يقول : جوّزوا أن يكون ذلك من فعل فاعل فيكم ، له الصفات التي أثبتّموها بالدليل للقديم ؟
فإنّ ذاك يجوز قبل القطع بجوابين :
أحدهما : إنّ معنى الفعلية لا بدّ من أن يكون معقولا قبل الإضافة إلى فاعل دون فاعل ، وليس يعقل من معنى الفعل إلّا وجوب وقوعه بحسب أحوال من قيل : إنّه فعل له ، وإذا كانت هذه الحقيقة حاصلة له معنى « 2 » ، بطل التجويز الذي عورضنا به ، واستحال أن يسنده إلى غيرنا ، وينسبه « 3 » إليه على جهة الفعلية التي لا معنى لها سوى ما عقلناه !
والجواب الآخر : إنّ وجوب وقوع هذه التصرّف بحسب أحوالنا ، يمنع من تجويز كونه فعلا لغيرنا فينا ؛ لأنّه لو كان فعلا لغيرنا لكان وقوعه تابعا لأحوال ذلك الغير ، فكان لا يمتنع إيقاعه للفعل مع ثبوت صادفنا ، وألّا يوقعه مع قوّة دواعينا وبواعثنا ؛ لأنّ أحوالنا ليست شروطا في إيجاد ذلك الفعل ما يقدر عليه من أفعاله .
وإذ كنّا قد بيّنّا وجوب وقوع التصرّف وبقائه بحسب أحوالنا ، بطل هذا التجويز ، وجرى مجرى من علّق وجوب انتفاء السواد عند وجود البياض باختيار مختار ، وكذلك سائر الواجبات .
طريقة أخرى : ليس يعقل من معنى الفعلية وحقيقة الفعل ، إضافة الفعل إلى الفاعل ، إلّا ما عقلناه لهذا التصرّف معنا ، فإثباته فعلا لغيرنا مع ما ذكرناه غير معقول .
وربّما اعتمدت هذه الطريقة بعبارة أخرى وهي أن يقال :
قد ثبت من تعلّق / 122 / هذا التصرّف بنا ، ووجوب حدوثه بحسب أحوالنا ، ما لو كان
هامش
( 1 ) . في الأصل : بنا .
( 2 ) . في الأصل : معنا .
( 3 ) . الكلمة في الأصل : غير مقروءة .