اختلف الناس في الأفعال التي تظهر من العباد ، كالقيام والقعود والتصرّف :
فقال قوم : إنّ تلك أجمع أفعال العباد ، وحادثة من جهتهم ، لا فاعل لها ولا محدث سواهم ، وهذا قول جميع طوائف أهل العدل من المعتزلة وغيرهم .
وقال جهم « 1 » وأصحابه : هذه الأفعال مخلوقة للّه تعالى ، وهو المتفرّد بفعلها ، وإن نسبت إلى العباد على سبيل المجاز ، وما قولهم : « نام فلان » إلّا كقولهم : « طال وسمن » .
وقال ضرار بن عمرو « 2 » ، وحفص القرد « 3 » « 4 » والنجّار « 5 » ومن وافقهم : إنّ اللّه تعالى هو الخالق لهذه الأفعال والفاعل لها ، والعباد أيضا فاعلون لها على الحقيقة دون المجاز ، فكأنّهم أثبتوا فعلا واحدا من فاعلين ، وسمّوا أحدهما خالقا والآخر مكتسبا .
وقال الأشعري « 6 » متأخّرا : إنّ اللّه تعالى هو الفاعل لهذه الأفعال التي تظهر من العباد ،
هامش
( 1 ) . هو جهم بن صفوان السمرقندي ، أبو محرز ، رأس الجهميّة ، أظهر بدعته بترمذ ، - من بلاد ما وراء النهر - وقتله سالم بن أخوز المازني بمرو في آخر ملك بني أميّة .
( 2 ) . هو ضرار بن عمرو ، من أعلام المتكلّمين ، كان تلميذا لواصل بن عطاء ، ثمّ انصرف عنه وأسّس مذهبا سمّي بالضراريّة ، وكان لا يزال حيّا سنة 180 ه .
( 3 ) . في الأصل : المفرد القرد أو الفرد ، كان من المتقدّمين في علم الكلام ، يكنّى أبا عمرو وكان من أهل مصر ، قدم البصرة فسمع من أبي الهذيل العلّاف وكانت له مناظرات معه ، يقال : إنّه كان أوّل أمره معتزليا وقال بخلق القرآن ثمّ صار من المجبّرة .
( 4 ) . في الأصل : المفرد .
( 5 ) . هو الحسين بن محمّد النجّار من أعيان المعتزلة وأعلامهم ، وإن اختلف معهم في مسائل ، مات في حدود سنة 230 ه ، وله أتباع يسمّون بالنجاريّة .
( 6 ) . هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن موسى الأشعري ، إليه تنسب الأشعريّة كان في بداية أمره معتزليا ومشاركا -