فصل في أنّ الفعل الواحد لا يجوز أن يكون حادثا من وجهين ، ولا من قادرين ، ولا عن قدرتين
أمّا الذي يدلّ على إنّ الفعل الواحد لا يحدث من وجهين ، وأنّ « 1 » الحدوث لا يتزايد ، فهو ما ذكرنا طرفا منه في باب التوحيد ونفي الثاني ، وجملته :
إنّه لو جاز أن يجعل للقادر الواحد أو القادران للذات الواحدة صفتين في الحدوث ، لم يمتنع أن تفترق هاتان الصفتان للذات وتحصل واحدة بعد الأخرى ، كما صحّ أن يجتمعا في الحال الواحدة ، وهذا يؤدّي إلى صحّة إيجاد الموجود ، وقد علمنا تعذّر ذلك واستحالته ، وأنّ وجود الذات يحيل للقدرة عليها ، كما كان عدمها محيلا لتعلّق الإدراك بها ، ولا شبهة في أنّ أحدنا يمتنع عليه إيجاد مقدور غيره .
وبعد ، فلو صحّ إيجاد الموجود ، لوجب - إذا حمل أحدنا جسما ثقيلا ووجد مشقّة [ في ] حمله ثمّ حمله ثانيا - على هذا القول ، بأن أوجد من جملة ما كان أوجده بعينه ، أن يجد من المشقّة ما وجد في الأوّل ، ومعلوم خلاف ذلك .
وكان يجب أيضا أن يجد القادر منّا الفرق بين أن يفعل في الجسم الثقيل حمله من وجهين ، وبين أن يفعل ذلك من وجه واحد ، وكان يجب أن يصحّ من غير هذا الفاعل الذي فعله من أحد الوجهين ، أن يبطل فعله في الثاني ، من حيث كان باقيا ، وكلّ ذلك فاسد .
وممّا يدلّ أيضا على ذلك : إنّ الذات لو حصلت لها في الوجود صفة بعد أخرى ، لم يخل إذا حصلت على الصفة الثانية من أن يكون لها أحكام ، لم يكن من قبل ، أو لا يكن كذلك ، وقد علمنا أنّه لا حكم معقول يحصل عند الصفة الثانية ، إلّا وهو حاصل عند الأولى ، فلم يبق إلّا أنّه لا حكم للصفة الثانية ، وهذا يؤدّي إلى أنّه لا فرق بين ثبوتها وانتفائها .
ويدلّ أيضا على ذلك : [ إنّه ] كان لا يمتنع أن يحدث الذات على أحد الوجهين دون الآخر ؛ لأنّ وجهي الحدوث في صحة انفصالهما وحصول أحدهما دون الآخر كالفعلين ؛ لأنّه لو كان انفصالهما مستحيلا ، لكان لكلّ واحد من الوجهين تعلّق بالآخر يقتضي
هامش
( 1 ) . في الأصل : فان .