والعباد غير فاعلين على الحقيقة لشيء منها لكنّهم مكتسبون ، فإن قيل : فاعلون فعلى وجه المجاز .
وحكي عن صالح « 1 » فيه : مع قوله بالعدل ، أنّ أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى ، على معنى أنّه خلق أسمائها لا على أنّه أحدث ذواتها .
وهذا من صالح خلاف في عبارة ، وغير لاحق بما تقدّم ، ونحن ندلّ على الصحيح ونبيّن فساد الفاسد ، ونرتّبه في فصوله بمشيّة اللّه وعونه على الحقيقة .
فصل في الدلالة على أنّ العباد ، الفاعلون لما يظهر فيهم من التصرّف
قد دللنا في باب إثبات المحدث من هذا الكتاب ، أنّ وجوب وقوع تصرّفنا مع السلامة وارتفاع الموانع ، بحسب أحوالنا من قصد وداع وغير ذلك ، ووجوب انتفائها بحسب من كراهية وصارف ، دالّ على أنّها حادثة بنا ومن جهتنا ، وأنّها لو لم تكن بنا حادثة لكان وجودها إثباتا ونفيا واقفا على أحوال غيرنا ، وبسطنا الكلام في هذه الطريقة ويسّرناه ، ورددنا « 2 » ما يحتملها من الزيادات ، وأجبنا عمّا به يعترض عليها من الشبهات ، وأجبنا عن سؤال من يعترض بأن يقول :
جوّزوا أن يكون اللّه تعالى هو الذي فعل فيكم هذه الأفعال ، تابعة للقصود التي هي أيضا من فعله ، وجعل العادة مستمرّة بذلك .
فإن قلنا : إنّ هذا سؤال فاسد من جهة أنّه لا يصحّ إلّا بعد صحّة ما يعترض به عليه ، وفي صحّة ذلك إبطال السؤال نفسه .
هامش
- في حلقاتهم بالبصرة ثمّ اختلف معهم وانخلع عن مذهب الاعتزال وأسّس المذهب الأشعري في الأصول ويتبع مذهبه في الأصول أغلب المذاهب السنّية له تصانيف ، أشهرها كتاب ( مقالات الإسلاميين ) . مات سنة 330 ه .
( 1 ) . هو صالح بن عمر الصالحي ، وإليه ينسب مذهب الصالحيّة ، وقد نسب إلى مذهبه أنّه جمع فيه بين القدر والإرجاء ، وأنّه كان يوافق ما ذهب إليه محمّد بن شبيب ، وأبو شمر ، وغيلان ومن في طبقتهم من المرجئة .
( 2 ) . في الأصل : ردنا .