تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الملخص في أصول الدين — صفحة 411

مساهمون:

ص٤١١
وبعد ، فلو كان هذا من خطاب العامة الخارج عن مقتضى اللغة ، لوجب أن يعدّ أهل اللغة إضافة الكلام إلى الجنيّ - ممّن اعتقد ما ذكرناه - من لحن العامة وخطائها ، وينصّ عليه في الكتب الموضوعة للحن العامّة ، كما نصّ على غيره ، وفي العلم ببطلان ذلك دليل على صحّة ما اعتمدناه . فإن قيل : ما أنكرتم أن تكون إضافتهم الكلام المسموع من المصروع إلى الجنيّ ، من حيث اعتقدوا أنّ الجني قد سلكه وخالطه ، وأنّ الكلام حالّ في الجنيّ دونه ، ويعود الأمر إلى أنّ المتكلّم بالكلام من جملته . ألا ترى أنّهم إذا لم يعتقدوا سلوك الجنيّ له وامتزاجه به ، لم يضيفوا الكلام المسموع من المصروع إليه . قلنا : الكلام الذي يسمع من لسان المصروع ، ويحلّ « 1 » آلة كلامه على حدّ ما يسمع منه ، ويحلّ لسانه إذا كان سليما ، والجنّي وإن كان سلكه وخالطه على اعتقاد من اعتقد ذلك ، فليس ينتهي إلى أن يصير آلة المصروع ولسانه للجنيّ دونه ، بل آلة كلامه في أنّها تختصّه على ما كانت عليه ، والكلام يسمع منها ويوجد فيها على حدّ / 111 / يسمع في حال صحّته ، فلا وجه لهذه الإضافة إلّا ما ذكرناه من اعتقادهم أنّ الجنيّ هو القاصد إلى ذلك الكلام دون المصروع . والذي يوضّح هذا ويكشفه أنّهم لا يكادون يضيفون إلى الجنيّ كلّ كلام يسمع من لسان المصروع ، أو قرأ أو تكلّم بما لا يعتقدون أنّه من مقصود الجنيّ ، لم يضيفوه إلى الجنّي ، وإنّما يضيفون إليه ما يعتقدون أنّه لا يكون من مقصود غير الجنيّ ، مثل أن يخبر بغيب ، أو يخرج سرقا ، أو يدلّ على مكتوم ، ونحو ذلك ممّا قد سبق إلى نفوسهم أنّ غير الجنيّ لا يعرفه ولا يخبر بمثله . وممّا يدلّ أيضا : على أنّ الكلام يضاف إلى فاعله دون من ليس بينه وبينه هذه العلقة ، أنّ الكلام قد يوجد في الضدّ ، أو قد علمنا أنّه لا يجوز أن يكون كلاما لمحلّه ، ولا لما ذلك المحلّ بعض له ، ولا يجوز أيضا أن يكون كلاما للقديم تعالى ؛ لأنّه ربّما كان ذلك الكلام كذبا أو عبثا ، وهو تعالى منزّه عن القبيح ، ولا يجوز أن يكون كلاما لمن فعل أسبابه ووجد بحسب قصده ودواعيه .
هامش
( 1 ) . في الأصل : + و .
الملخص في أصول الدين — صفحة 411 | الشريف المرتضى