تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الملخص في أصول الدين — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
وممّا يدلّ أيضا على قبحها : إنّ الأمر بالقبيح قبيح بلا شبهة ، والمدخل للأمر في أن يكون أمرا هو الإرادة ، ولولاها لم يكن أمرا ، وكونه أمرا [ فيه ] جهة القبح « 1 » ، فما أثّر فيه يجب لا محالة قبحه ، ولا يلزم على هذا قبح القدرة على القبيح ، لأنّها لا تؤثّر في وجه القبح ، ولا يلزم أيضا قبح ما لولاه لم تحصل الإرادة من العلم والاعتقاد ؛ لأنّ ذلك غير مؤثّر في قبح الإرادة . وبمثل ذلك نجب من ألزم - على ما ذكرناه - قبح كلّ ما [ لا ] يتمّ الأمر والخبر القبيحان إلّا به ، من اعتقاد المخبر عنه والعلم بالمواضعة ونحوها ؛ لأنّ كلّ ذلك لم يؤثّر في جهة القبح ، وفيما له كان القبيح قبيحا . وممّا يدلّ أيضا : على أنّه لا يريد المعاصي والقبائح ، إنّه قد ثبت بلا خلاف نهيه عن جميعها ، وتهديد من فعلها ، والنهي - على ما تقدّم - يقتضي كراهة المنهيّ عنه ، وبذلك كان نهيا على الحدّ الذي يتنافى الأمر أنّه يكون أمرا إلّا مرادها لمأمور به ، وإذا ثبت أنّه يكرهها استحال كونه مريدا لها . وممّا نعتمد على طريق التأكيد الأدلّة المتقدّمة ، أنّه لو جاز أن يريد القبائح ، لجاز أن يحبّها ويرضاها ؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ المحبّة والرضا يرجعان إلى معنى الإرادة . وليس بمسلم من أطلق أنّ ربه تعالى يرضى أن يشتم ويفتري عليه ويكذّب أنبيائه - عليهم السلام - وقد ورد « 2 » السمع مؤكّدا لما في الفعل في قوله تعالى :
وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ
« 3 » ،
وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ
« 4 » ، وقوله :
كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً
« 5 » ، وقوله جلّ وعزّ :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
« 6 » ولا شيء أعسر من الكفر وما أدّى إلى العذاب الدائم ، وقوله تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
« 7 » يدلّ على أنّه قد أراد من الجميع العبادة ، وإن كان فيهم من لم يؤمن ؛ لأنّ اللام في
لِيَعْبُدُونِ
هي لام الغرض بمنزلة قول القائل : « ما دخلت إليك إلّا لتكرمني » ، ومقتضى ما ورد به السمع في هذا الباب يطول .
هامش
( 1 ) . في الأصل : القبيح . ( 2 ) . في الأصل : أورد . ( 3 ) . سورة غافر : 31 . ( 4 ) . سورة آل عمران : 108 . ( 5 ) . سورة الإسراء : 38 . ( 6 ) . سورة البقرة : 185 . ( 7 ) . سورة الذاريات : 56 .
الملخص في أصول الدين — صفحة 387 | الشريف المرتضى