وهذا مستحيل ؛ لأنّ كلّ عرض يوجب لذات من الذوات حالا ، فليس يخرجه عن إيجابه لها مقارنة ما يقارنه من المعاني .
وليس لأحد أن يقول : إنّي أمنع من وجود الحياة مع هذه الإرادة ، وإن لم يكن بينهما تضادّ ، ولا يجري مجراه ، كما منعتم أنتم من وجود حياة زيد وعمرو معا في موضع الاتصال ؛ لأنّ حياة زيد يحتاج إلى أن تكون محلّها منفصلا من غيره وكذلك حياة عمرو ، وهذا معنى ما يمضي في الكتب من أنّ حياة زيد تحتاج إلى أن تستند محلّها بمجاورة بعض من أبعاض زيد دون غيره ، وكذلك حياة عمرو ، وهذا بيّن الفرق بين الأمرين ؛ لأنّ محلّ الإرادة الذي ادّعى يحتمل ولا تنافي بينهما ، على أنّ هاتين الحياتين ما يجري مجرى التنافي ؛ لأنّهما يجعلان محلّهما بعضا لزيد وعمرو وذلك يتنافي ؛ لأنّ من شأن ما هو بعض لأحدهما أن يدرك به ، وإذا كان بعضا له صحّ أن يبتدئ فيه الفعل بقدرته ، وإذا كان بعضا للآخر لم يصحّ أن يفعل فيه إلّا بسبب « 1 » تعدّي الفعل عن محلّ القدرة ، ونظائر ذلك كثيرة .
وبعد ، فمن حقّ كلّ حيّين صحّة كون أحدهما عالما والآخر جاهلا ، وحياة زيد تصحّح كونه عالما جاهلا على البدل ، وكذلك حياة عمرو تصحّح ذلك فيه على البدل ، فلو وجدت حياة زيد في موضع الاتّصال ، صحّحت كون زيد عالما ، وحياة عمرو إذا وجدت معها يصحّح كون عمرو جاهلا .
والعلم الذي يوجد في ذلك المحلّ الذي فيه الحياتان ، يجب أن يكون علما لهما ؛ لأنّ وجوده كوجود حياة كلّ واحد منهما ، وكذلك الجهل يجب أن يكون جهلا لهما ، وهذا يقتضي أن تكون الحياتان مصحّحتين للضدّين ، فمنعنا من وجودهما ؛ لأنّهما تجريان مجرى المتنافيين ، وليس هذا من وجود الإرادة والحياة في الجماد .
وممّا يستدلّ به على جواز وجود الإرادة لا في محلّ : إنّ الغرض إنّما يجب حاجته إلى المحلّ ، إذا لم يصحّ ظهور حكمه إلّا به ؛ لأنّ كيفية وجود العلّة إنّما يجب أن تعتبر بما يرجع إلى الحكم أو إلى الصفة الموجبة عنها ، والإرادة لا تختصّ المحل ولا توجب له حالّا ؛
هامش
( 1 ) . في الأصل : سبب .