تعالى ، لوجب أن تكون إرادة واحدة لمريدين ، وهذا مستحيل ، لعلمنا بصحّة كراهة كلّ واحد منّا لنفس ما يريده القديم .
ومنها : إنّه لو أراد بإرادة تحلّ غيره ، لجاز أن يكون بما يحلّ أيضا غيره ، وهذا يوجب كونه مريدا كارها للشيء الواحد ، ممّا « 1 » يوجب في قلب زيد من الإرادة وقلب عمرو من الكراهة !
ومنها : إنّه كان يجب متى وجدت قدرة في محلّ هذه الإرادة أن تكون قدرة لهما معا ، [ و ] هذا يقتضي كون المقدور الواحد لقادرين ، وقد ثبت استحالة ذلك .
فأمّا الذي يدلّ على أنّ إرادته لا تحلّ الجماد « 2 » وما لا حياة فيه : فهو أنّ تأليف الجماد كافتراقه ، فلو حلّت الإرادة الجماد ، لكان حكمها مقصورا على محلّها ؛ لأنّ كلّ عرض يوجب صفة متى صحّ وجوده في الجماد ، فحكمه مقصور على محلّه كاللّون ، وهذا يوجب أن يكون محلّ الإرادة منّا هو المريد وإن بني مع غيره ؛ لأنّ كلّ عرض أوجب الصفة لمحلّه ، فإنّ إحالته « 3 » في إيجابه للمحلّ لا يتغيّر بأن يجاور غيره ، وهذا يقتضي أن يكون محلّ الإرادة منّا مريدا ، وكذلك محلّ القدرة ، ويوجب أن يكون لجملة « 4 » الحيّ قادرين كثيرين ، وكان لا يجب وقوع تصرّفها بحسب داع واحد وقصد واحد ، وأن يجري مجرى أحياء ضمّ بعضهم إلى بعض ، وكان لا / 103 / يمتنع أيضا أن يقع التمانع بين أجزاء الجملة من حيث كان عدّة من القادرين ، وفساد ذلك معلوم باضطرار .
وأيضا : فلو جاز حلولها في الجماد ، لجاز في اليد ، وهذا يقتضي صحّة أن يفعل بقدر أيدينا الإرادة فيها ، وأن يجوز أن يجد أحدنا كونه مريدا في ناحية يده ، كما يجده من ناحية صدره ، وبطلان ذلك ظاهر .
وأيضا : لو جاز أن تحلّ إرادته تعالى الجماد ، لم يمتنع أن توجد في محلّها الحياة ؛ لأنّ وجود الحياة إن لم يصحّح وجوده الإرادة لم يحل ذلك ؛ ولأنّه لا تنافي بينهما ولا ما يجري مجراه ، فيقال : إنّها تنتفي عند وجود الحياة ، وقد بيّنّا أنّ الإرادة حينئذ لا يختصّ بالقديم تعالى ، وأنّها تجب أن تكون إرادة لمن تلك الحياة حياة له .
هامش
( 1 ) . في الأصل : لما .
( 2 ) . في الأصل : الجواد .
( 3 ) . في الأصل : احاله .
( 4 ) . في الأصل : حمله .