قلنا : الفرق بين الأمرين أنّه تعالى إذا ثبت كونه عالما لنفسه ، وجب أن يعلم كلّ معلوم على كلّ وجه ، وذلك يحيل كونه جاهلا به ، وكونه مريدا للشيء لا ينافي كونه مريدا لغيره .
وليس لأحد أن يجعل كونه مريدا لنفسه ، يمنع من كونه كارها ، كما قلناه في كونه عالما ؛ لأنّ بمثل ما علمنا أنّه مريد ، علمنا أنّه كاره ، فليس لأحد الأمرين مزيّة على الآخر ، فيجب أن يكون مريدا كارها على ما تقدّم .
وثبوت كونه عالما لنفسه بأدلّته ، يقتضي كونه عالما بكلّ معلوم ، ويمنع من كونه جاهلا ببعضها .
فإن قيل : ما أنكرتم أن يكون المعلوم من حاله ، أنّه لا يكون لما يصحّ أن يريده تعالى ، والمعلوم حاله ألّا يكون لا يصحّ أن يكرهه ، فهو مريد كلّ ما يكون ، ويكره كلّ ما لا يكون ، ولا يلزم كونه مريدا كارها للشيء الواحد ؟
قلنا : قد يجد أحدنا نفسه فيما يريده من الأشياء المستقبلة على حالة واحدة ، وإن كان فيها المعلوم أنّه يكون والمعلوم أنّه لا يكون ، بل يفصل به في الشيء الواحد إذا أراده تارة ، ومعلوم أنّه لا يكون ، فلو كان الأمر على ما قدّره لفصّل بين أحواله في ذلك ، كما يفصّل بين كونه معتقدا ومريدا ، وفي ارتفاع الفصل دلالة على أنّ الجنس الموجب للأمرين واحد ، على أنّا نعلم من النبيّ - عليه السلام - ، أنّه كان يريد الإيمان من أبي لهب ، وإن علم أنّه لا يؤمن .
دليل آخر : على أنّه تعالى ليس بمريد لنفسه ، قد ثبت فيما هو خير وأمر من الكلام ، صحّة وجودهما من غير أن يكونا كذلك ، على ما دللنا عليه من قبل ، وفي كونه مريدا لنفسه ما يمنع من ذلك ، فيجب القضاء بفساده .
وإنّما قلنا : إنّه يمنع منه ؛ لأنّه لا يجوز أن يريد فيما يوجده من الحروف كونه خبرا ، ثمّ لا يكون كذلك ، فلو كان مريدا لنفسه لم يجز ألّا يريد الإخبار بما يخبر به ، وإذا لم يجز ألّا يريد ذلك ، لم يجز فيما يوجد ويكون خبرا ألّا يكون كذلك ، ولا يلزم على هذا أن يجب وجوده مقدوراته من حيث كان قادرا لنفسه ، وذلك أنّ تأثير كونه قادرا في المقدورات تأثير التصحيح لا الإيجاب ، وليس كذلك كون المريد مريدا ؛ لأنّه يؤثّر على جهة
الملخص في أصول الدين — صفحة 375
مساهمون: الشريف المرتضى
ص٣٧٥