والحال واحدة ، دلالة على إثبات المعنى ، وليس يجوز ثبوت المعنى مع نقيض الشرط في الدلالة عليه ؛ لأنّ ذلك يقدح في كونه شرطا في الدلالة .
يبيّن ما ذكرناه أنّ وجوب وقوع تصرّف الإنسان ، [ يكون ] بحسب قصده ودواعيه ، [ و ] وجوب انتفائه بحسب كراهته وصوارفه ، لمّا دلّ على احتياجه إليه لم يجز أن يثبت محدثا لفعل يجب وقوعه عند كراهته وانتفائه عند قصده ، وإنّما لم يجز ذلك من حيث كان ما ذكرناه شرطا في الدلالة ، فلم يمكن ثبوت المدلول مع نقيضه ، وإذا وجب كونه تعالى عالما في كلّ حال ، ثبت أنّه لم يكن كذلك لمعنى « 1 » .
وليس هذا الذي ذكرناه منعا من إثبات المدلول مع فقد الدلالة ، وإنّما منعنا من إثبات المدلول مع نقيض الشرط في الدلالة . ألا ترى أنّا نثبت تصرّفنا محتاجا إلينا ومحدثا بنا من حيث وقع بحسب قصودنا « 2 » وانتفى بحسب صوارفنا وكراهتنا ؟ ولا يمتنع إثبات فعل لا يتأتّى هذا المعنى فيه ، وهو فعل الساهي إذا كان بدليل آخر ، ولا يجوز قياسا على ذلك أن يثبت الفعل لمن يجب انتفائه وصوارفه ، والفرق بين « 3 » الأمرين هو ما ذكرناه من أنّ ذلك إثبات المدلول مع نقيض الشرط في الدلالة .
وهذه الدلالة على الوجهين اللذين رتّبناها معا ، يدلّ على أنّه تعالى لا يجوز أن يكون قادرا بقدرة ولا حيّا بحياة ولا قديما بقدم .
دليل آخر : وممّا يدلّ على أنّه تعالى لا يجوز أن يكون على هذه الأحوال لمعان قديمة ، أنّ القول بذلك يؤدّي إلى إثبات ذاتين ، بل ذوات تستحيل وجود كلّ واحدة منها دون الأخرى ، وذلك محال ؛ لأنّه يقتضي تجويز معان زائدة على ما قد عقلناه ، وندّعي أنّ بعضها يفارق بعضها .
دليل آخر : وممّا يدلّ على أنّه تعالى لا يجوز أن يكون عالما بعلم قديم ، أنّ القول بذلك يؤدّي إلى أحد أمور كلّها فاسدة :
منها : أن يكون عالما بمعلوم واحد ، أو معلومات منحصرة .
ومنها : أن يكون عالما بمعلوم لا نهاية لها .
هامش
( 1 ) . في الأصل : بمعنى .
( 2 ) . في الأصل : قصورنا .
( 3 ) . في الأصل : بان .